د. خالد رُوشه.          

عندما نواجه الصعاب والآلام، وتصدمنا المصائب والشدائد، وتتقاذفنا الأزمات والملمات، عندها لنعلم أننا في اختبار وامتحان إيماني حساس.
فالحياة كلها آلام وهموم، لكن تلك الهموم والآلام تجتمع في لحظة من اللحظات، أو يأتيها من جديدها ما يفوقها قوة وألمًا، فيكاد أحدنا أن يفقد توازنه، ويوشك أن يتداعى إلى السقوط وربما الانهيار.
لكن داعي الإيمان المرتكز في القلب المؤمن الموحد يتولى الزمام حينها، ويقود سفينة المرء في سلوكه وردود أفعاله، فيفيقه من الصدمة التي أخذته عند المصيبة، ويشد على يديه آمرًا جوارحه بالصبر والرضا.
إن ظلالاً من المعاني الإيمانية العلوية الكريمة لتحيط المؤمن في المصائب والشدائد؛ لتقوي عزيمته، وتثبت فؤاده، وتهدِّئ نفسه , فيصبر ويرضى بقضاء ربه، ويحتسب صبره ورضاه ثوابًا عند ربه، ويدعوه بأن يخلفه خيرًا وفضلاً، قال سبحانه: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم)، فما من مؤمن أصابته مصيبة فعلِمَ أنها بقضاء الله وقدره، فصبر، واحتسب، واستسلم لقضاء الله، إلا هدى الله قلبه، وعوَّضه عما فاته من الدنيا، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما: “يَهْدِ قَلْبَهُ لِلْيَقِينِ فَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ”، وفي تفسير قوله تعالى: (وبشِّرِ المخبتين،) جاء عن سفيان قوله: “المطمئنين الراضين بقضائه، المستسلمين له”.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو فيقول: (اللهم إني أسألك الرضا بالقضاء) “أخرجه أحمد”، فلئن كان الصبر هو أن يحبس نفسه، ويمنعها من التسخط، ويحبس لسانه، ويمنعه من التشكي، ويحبس جوارحه، ويمنعها من المحرمات، فإن الرضا هو فوق حالة الصبر، فيكون بعد القضاء مطمئنًا منشرح الصدر لما نزل به.
ويا لروعة القلب المؤمن الصادق النقي المستسلم لأمر ربه، يتلقى قضاءه فيصبر، ويكظم ألمه ويكتمه، وترشف دمعاته على خده من شدة المصيبة، لكنه لا يقول سخطًا أو يفعل تبرمًا، بل يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فيسكن للقضاء، ويهدِّئ نفسه ويرضيها بأمر الله -سبحانه- ويطمئنها بالثواب والعقبى الحسنة.
رأى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أحد المبتلين فقال له: “يا عدي إنه من رضي بقضاء الله جرى عليه فكان له أجر، ومن لم يرضَ بقضاء الله جرى عليه فحبط عمله”، وعن أبي مجلز أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: “ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره”، وروى أبو هارون المديني عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: “إن الله تبارك وتعالى بقسطه وعلمه جعل الرَوح والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط”، وروى مسلم في صحيحه من حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ -رضي اللهُ عنها- قَالَت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم- يَقُولُ: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا) قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلم- ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم، وعن أَبِي هُرَيرَةَ -رضي اللهُ عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى اللهُ عليه وسلم- قَالَ: (وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) “الترمذي”.
إن مجرد شعور الإنسان بالضيق وعدم التحمل، وتمنيه أن ما وقع به من الشدة لم يكن وقع، كل هذا لا ينافي الصبر، ما دام لم يعصِ ربه بقول أو فعل، وأما الراضي فلا يجد ذلك الضيق والألم؛ لأنه يتقلب فيما يختاره الله بنفس راضية مطمئنة، فيكون الأمران عنده سواء بالنسبة لقضاء الله وقدره، وإن كان قد يحزن من المصيبة؛ فالكل عنده سواء لتمام رضاه بربه سبحانه وتعالى.
وعلامة الرضا أمران:
عدم الندم على الماضي كما في الحديث (إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) “مسلم”، وأن يعلم أن الخيرة فيما اختاره الله، (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُم)، والوصول لدرجة الرضا ممكن وإن كان مجهدًا، ويحتاج إلى قدرة قلبية خاصة، يمن الله بها على عباده المقربين الصالحين.
ولقد علّمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أن السعي والمجاهدة لنيل الدرجات هو السبيل إليها فيقول: (من تصبر صبره الله)، وكذلك من جاهد نفسه لينال درجة الرضا رضاه الله -سبحانه- ولذلك فعلى المؤمن لينال تلك المرتبة أن يعلم أمورًا:
منها أن الله -سبحانه- لن يختار لعبده المؤمن إلا الخير كما في الحديث (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير) أخرجه مسلم”.
ومنها أن يعلم أن ما أصابه سبب لتكفير خطاياه وذنوبه كما في الحديث (مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) “رواه الترمذي”.
ومنها أن يعلم لطف الله سبحانه به وأنه قد ابتلاه بما يقدر عليه، ويعلم أن الله سبحانه قد ابتلاه ليقربه إليه بذكره ودعائه ورجائه، وزيادة ثوابه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ) “رواه الترمذي”.
قَالَ ابنُ عَونٍ: ارْضَ بِقَضَاءِ اللهِ مِن عُسْرٍ وَيُسْرٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَقَلُّ لِهَمِّكَ، وَأَبلَغُ فِيمَا تَطلُبُ مِن أَمرِ آخِرَتِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ العَبدَ لَن يُصِيبَ حَقِيقَةَ الرِّضَا، حَتَّى يَكُونَ رِضَاهُ عِندَ الفَقرِ وَالبَلَاءِ، كَرِضَاهُ عِندَ الغِنَى وَالرَّخَاءِ؛ كَيفَ تَستَقضِي اللهَ فِي أَمرِكَ، ثُمَّ تَسخَطُ إِنْ رَأَيتَ قَضَاءً مُخَالِفًا لِهَوَاكَ(! وَلَعَلَّ مَا هَوَيْتَ مِن ذَلِكَ، لَو وُفِّقَ لَكَ لَكَانَ فِيهِ هَلَاكُكَ، وَتَرضَى قَضَاءَهُ إِذَا وَافَقَ هَوَاكَ، وَذَلِكَ لِقِلَّةِ عِلْمِكَ بِالغَيبِ(! إِذَا كُنتَ كَذَلِكَ، مَا أَنْصَفْتَ مِن نَفسِكَ، وَلَا أَصَبْتَ بَابَ الرِّضَا.
ولما نزل بحذيفة بن اليمان الموت جزع جزعًا شديدًا فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ما أبكي أسفًا على الدنيا بل الموت أحب إلي، ولكني لا أدري على ما أقدم على الرضا أم على سخط(.
وقيل ليحيى بن مُعاذ رحمه الله: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ قال: إِذا أَقام نفسه على أَربعة أُصول فيما يعامل به ربِّه، فيقول: إن أعطيتني قَبِلْت، وإِن منعتني رضيت، وإِن تركتني عبدت، وإِن دعوتني أَجبت.
قال الحسن: “من رضي بما قسم الله له، وسعه وبارك الله له فيه، ومن لم يرضَ لم يسعه ولم يبارك له فيه”.
وقدِمَ سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وكان قد كُفَّ بصره، فجاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مُجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم.. فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوتَ لنفسك، فردَّ الله عليك بصرك. فتبسَّم وقال: يا بُني قضاء الله -سبحانه- عندي أحسن من بصري.
واجتمع ذات يوم وُهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط فقال الثوري: كنتُ أكره موت الفجأة قبل اليوم، واليوم ودِدتُ أني مت فقال له يوسف: لم قال لما أتخوف من الفتنة فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء فقال سفيان: لم قال لعلي أصادف يومًا أتوب فيه وأعمل صالحًا فقيل لوُهيب ماذا تقول، فقال: أنا لا أختار شيئًا أحبُ ما أحبه الله -سبحانه وتعالى- فقبَّلهُ الثوري بين عينيه وقال: روحانية ورب الكعبة.

المصدر: موقع المسلم.

 

 

Scroll to Top