تعاون الدعاة وأثره في المجتمع

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: الجمعة، 13 أيار 2016 كتب بواسطة: wdawah
 
[ تعاون الدعاة وأثره في المجتمع ]
>
 

 

محاضرة للشيخ: محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله.

منزلة الدعوة إلى الله:

لا شك أن الدعوة إلى الله لها مرتبة عظيمة في شريعة الله، ومن المهم أن نعلم أن الله إذا صدّر الأمر بالقول إلى محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلّم؛ فإن ذلك يقتضي عناية خاصة فيما وقع فيه هذا القول، يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

فالنبي صلى الله عليه وسلم كإخوانه من سائر النبيين والمرسلين، تبوّؤوا هذا المقام العظيم، وهو مقام الدعوة إلى الله لكنها دعوة على بصيرة، ولا بد من هذه البصائر الثلاث: البصيرة فيما يدعون إليه، والبصيرة في حال المدعو، والبصيرة في أسلوب الدعوة، وإذا تمت هذه الأمور الثلاثة؛ صارت الدعوة دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا اختل منها واحد؛ نقص من كمالها بقدر ما اختل من هذه الأمور الثلاثة، يقول تعالى في هذه الآية: {عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

من خصائص الداعية:

1- البصيرة بحال المدعو: فكل من اتبع النبي --صلى الله عليه وسلم-- فإنه لا بد أن يكون داعية إلى الله، بحاله ومقاله، ولا بد أن يكون داعية إلى الله على بصيرة بحال من يدعوهم  ولهذا قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ،. فالذين ظلموا لا نجادلهم بالتي هي أحسن، وإنما نجادلهم بما يليق بحالهم، وظلمهم.

2- البصيرة بأسلوب الدعوة: ولا بد أن يكون الداعية عالمًا بأسلوب الدعوة، وكيف يدعو الناس وهذا أمرٌ مهم جدًا بالنسبة للدُعاة: كيف يدعون الناس؟ هل يدعون الناس بالعنف، والشدِّة، والقدح فيما هم عليه، وسب ما ينتهجونه(! أو يدعون الناس باللين والرفق، وتحسين ما يدعونهم إليه دون أن يقبحوهم فيما هم عليه من منهج وسلوك؟

لننظر ماذا يقول الله لجميع المؤمنين: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، ونحن نعلم أن سب آلهة المشركين أمرٌ مطلوب؛ لأنها آلهة باطلة، وسب الباطل، وبيان منزلته للناس أمرٌ مطلوب لا بد منه ولكن إذا كان يترتب على ذلك مفسدة أكبر، مع إمكان زوال الباطل بدون هذه المفسدة، فإن الله يقول: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ }، ومعلوم أنهم إذا سبُّوا الله، فإنهم يسبونه عدوًا بغير علم، بل نعلم أن الله عزَّ وجلَّ منزه عن كل عيب، ونحن إذا سببنا آلهتهم، فقد سببناها بحق، ومع ذلك نهى الله عزَّ وجلَّ عن هذا الحقِّ؛ خوفًا من هذا الباطل العادي؛ لأنه شر.

 

وبناءً على ذلك: فإذا رأى الداعية شخصًا على أمرٍ يرى هذا الداعية أنه باطل، وصاحبه يرى أنه حق، فليس من طريق الدعوة التي أرشد الله إليها نبيه محمدًا --صلى الله عليه وسلم-- أن يقدح فيما هو عليه، من مذهب أو نحلة؛ لأن ذلك ينفره، وربما يؤدي إلى أن يسب ما أنت عليه من الحق؛ لأنك سببت ما هو عليه من الباطل الذي يعتقده حقًا، ولكن الطريق: أن أبين له الحق، وأشرحه له؛ لأن كثيرًا من الناس، ولا سيما المقلدون، قد يخفى عليهم نور الحق؛ بما غشيهم من الهوى والتقليد، لذلك أقول: يبين الحق ويوضح، ولا شك أن الحق تقبله الفطر السليمة؛ لأنه دين الله وشرعه فلا بد أن يؤثر هذا الحق في المدعو. لا أقول: إنه يؤثر في الحال، لكن قد يؤثر ولو بعد حين، قد يفكر هذا المدعو فيما دُعِيَ إليه، مرةً بعد أخرى حتى يتبين له الحق.

 

أمثلة على حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته:

فالمهم أن الداعية لا بد أن يكون ذا بصيرة في الأسلوب الذي يدعو إليه الناس؛ لأن هذا أمر مهم بالنسبة لقبول الدعوة ورفضها، ولا يخفى علينا ما وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم- في كيفية الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، لا يخفى علينا قصة الأعرابي الذي جاء فبال في طائفة من المسجد فزجره الناس، وأنكروا عليه، ولكن الرسول --صلى الله عليه وسلم-- قال: [دَعُوهُ وَلَا تُزْرِمُوهُ]( رواه البخاري ومسلم).

فلما فرغ من بوله أمر النبي --صلى الله عليه وسلم-- بما تزول به هذه المفسدة، وهي أن يصب عليه ذنوبٌ من ماء، أي: دلو أو شبهه، ثم دعا الأعرابي وقال له: {إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ} أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فتأمل هذه الدعوة إلى الحق بهذا الأسلوب: ماذا تتصور من حال هذا الأعرابي الذي دعاه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى تعظيم المساجد بهذا الأسلوب الليّن السهل، إنك لن تتصور إلا أن هذا الأعرابي سيقبل وسيطمئن وسيرتاح، وسيجد الفرق بين ما قام به الصحابة رضي الله عنهم من الزجر، وما قام به النبي صلى الله عليه وسلم من التعليم الهادئ، الذي ينشرح فيه الصدر، ويطمئن به القلب .

 

3- تخلق الداعية بما يدعو إليه: ومما يجب على الداعية أيضًا: أن يكون أول من يتخلق بما يدعو إليه، فحال الداعية إذا كانت مخالفًا لدعوته، لا شك أنه مؤثر في دعوته في ألاَّ تُقبل، فإن الناس ينظرون إلى الدعاة غير نظرهم إلى سائر الناس، إذا رأوا الداعية يدعو إلى شيء، ولكنه لا يقوم به، فسيكون عندهم شك فيما دعا إليه، أهو حق أو باطل! لأنه سيقول المدعو: إذا كان حقًا فلماذا لا يفعله، وحينئذٍ يقل قبول الناس له مع ما يلحقه من الإثم العظيم في كونه يدعو ولكنه لا يفعل، يقول الله تعالى منكرًا على بني إسرائيل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، فليس من العقل أن يأمر الإنسان غيره بالبر وينسى نفسه؛ لأنه إذا كان برًا، فليكن هو أول من يدعو إليه، هو أول من ينفذه، هو أول من يقوم به، حتى يكون داعية للناس بمقاله وبحاله.

 

4- أن يكون بصيرًا بما يدعو إليه: وهذا مما يجب على الداعية، فلا يتكلم إلا بما يعلم أنه الحق، أو بما يغلب على ظنه أنه الحق -إذا كان هذا الشيء الذي يدعو إليه مما يسوغ فيه الظن- أما أن يدعو بجهل؛ فإنه يهدم أكثر مما يبني، مع أنه آثم إثمًا كبيرًا، يقول الله سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولً}، فلا تتبع شيئًا لا علم لك به؛ لأنك مسؤول ويقول عزَّ وجلَّ: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.

من مفاسد جهل بعض الدعاة:

ونحن نسمع عن بعض الدعاة، أنهم يدعون إلى أمر يجانبون فيه الصواب، ويغلب على ظننا أنهم لم يدعو إلى هذا الشيء عن علم واختيار منهم له ولكنه عن جهل، فيحصل بذلك مفسدتان عظيمتان:

المفسدة الأولى: قبول هذا الباطل الذي دعا إليه هذا الداعية، عن غير علم.

المفسدة الثانية: رد الحق المبني على العلم، كما نشاهد أو نسمع عن بعض الناس في تحريم أشياء ليس لديهم برهان من الله على تحريمها، أو إيجاب أشياء ليس عندهم فيها برهان من الله على إيجابها، فإذا سمع العامة هذا الداعية يقول بهذا -وهم يحسنون الظن به- رَدّوا الحق الذي عند غيره، وقبلوا هذا الباطل.

 

والذي أريد أن أؤكد عليه: هو أنه يجب على الداعية أن يكون بصيرًا في دين الله، حتى لا يدعو إلى منكر وهو لا يعلم، أو يحذّر من معروف وهو لا يعلم، والحمد لله الشيء الذي لا تدعو إليه اليوم وتؤجله إلى الغد بعد أن تتأمل في النصوص والأدلة خيرٌ لك من أن تتعجل وتقول فيما لا تعلم.

 

5- أن يكون صبورًا: على ما يناله من أذى قولي أو فعلي؛ لأن الداعية إلى الخير، لا بد أن يكون له أضداد، يكرهون ما يدعو إليه، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} ، فكل نبي له عدو من المجرمين، لا من أجل شخصه، ولكن من أجل نبوته، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث ويرسل، كان عند قريش الصادق الأمين، ولمّا بُعث بشريعة الله؛ صار عندهم الكذَّاب، الساحر، الشاعر، الكاهن، المجنون، إلى آخر ما يلقبونه به من ألقاب السوء، يقول الله تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}،لماذا العداوة: لشخصه، أو لنبوته؟ لنبوته فكل من أخذ بمنهاج النبي؛ فلا بد أن يكون له عدو من المجرمين، وإذا كان له عدو، فلا بد أن يحرص هذا العدوّ على إيذائه بكل ما يستطيع، من قول أو فعل، ولكن على الداعية أن يصبر، ويحتسب، ويؤمل ويرجو نصر الله والعاقبة الحميدة.

 

6- لا ينبغي أن يكون داعية لشخصه، بل يجب أن يكون داعية إلى الله: فلا يهمه أن ينتصر، أو أن يقبل قوله في حياته، أو بعد مماته، المهم أن ما يدعو إليه من الحق يكون مقبولاً لدى الناس، سواء في حياته، أو بعد موته، صحيح أن الإنسان يُسر وينشط إذا قُبل الحق الذي يدعو إليه في حياته، لكن إذا قُدِّر أن الله ابتلاه بعدم القبول المباشر، أو السريع، فليصبر وليحتسب، وما دام يعلم أنه على الحق، فليثبت عليه، وتكون العاقبة له، خلافًا لبعض الدعاة، الذين إذا سمعوا قولاً يؤذيهم، أو فُعِلَ فيهم فِعْلٌ يؤذيهم، نكصوا، أو ترددوا، أو شكّوا فيما هم عليه، وقد قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلّم: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرؤُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}، فالداعية إذا لم يجد قبولاً حاضرًا ربما ينكص على عقبيه، أو يتشكك ويتردد، هل هو على حق، أو ليس على حق! ولكن الله سبحانه قد بيَّن الحق، وجعل للحق منارًا معلومًا، فإذا علمت أنك على حق؛ فاثبت، وإن سمعت ما تكره، أو رأيت ما تكره، فاصبر فإن العاقبة للمتقين.

 

7- ومن آداب الدعاة التي يجب أن يكونوا عليها: تعاونهم فيما بينهم: ولا يكن همّ الواحد منهم أن يقبل قوله ويُقدم على غيره، بل يكن همّ الداعية أن تُقبل الدعوة، سواء صدرت منه، أو صدرت من غيره، ما دُمتَ تريد أن تعلو كلمة الله، فلا يهممنك أن تكون من قِبَلكِ، أو من قِبَلِ غيرك، صحيح أن الإنسان يحب أن يكون الخير على يده، لكن لا يكره أن يكون الخير على يد غيره، بل يجب أن يحب أن تعلو كلمة الله، سواء على يده، أو يد غيره، وإذا بنى اتجاهه على هذا؛ فسوف يعاون غيره في الدعوة إلى الله، وإن تقدَّم قَبُول الناس لغيره على قبولهم إياه.

تعاون وتشاور ..لا استئثار:

الواجب على الدعاة أن يكونوا يدًا واحدة: يتعاونون، ويتشاورون فيما بينهم، وينطلقون انطلاقًا واحدًا، ويقومون لله مثنى، وثلاث، ورباع، وإذا كنَّا نرى أن دعاة الشرّ والسوء يجتمعون، ويتحدون، ويخططون، فلماذا لا يعمل الدعاة هذا العمل، حتى يرشد بعضهم بعضًا فيما يخطئ فيه الآخر من علم، أو وسيلة دعوة، أو ما أشبهه ذلك!

ونحن إذا نظرنا إلى نصوص الكتاب والسنة؛ وجدنا أنَّ الله تعالى وصف المؤمنين بأوصاف تدل على أنهم متحدون متعاونون، قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}..

وقال تعالى: {وَلْتَكُن منْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

 

آفات خفية:

إنَّ الشيطان يلقي في قلب الداعية شيئًا من كراهة داعية مثله إذا نجح في دعوته، لا يحب أن يكون مثله في نجاح الدعوة، بل يكره أن يتقدم هذا في النجاح، وقبول الناس له، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في تفسير الحسد: "إنَّ الحسد أن تكره نعمة الله على غيرك، وإن كان معروفًا عند العلماء أن الحسد تمني زوال النعمة عن الغير، بل نقول: الحسد كراهة نعمة الله على غيرك، سواء تمنيت زوالها أم لم تتمنَ".

 

فأنت أيها الإنسان يجب عليك أن تعاون أخاك الداعية في دعوته، حتى وإن تقدم عليك ونجح في دعوته، ما دمت تريد أن تكون كلمة الله هي العُليا، واعلموا أن دُعاة الشر يحبون أن يتفرق دُعاة الخير؛ لأنهم يعلمون أن اتحادهم وتعاونهم سبب لنجاحهم، وأن تفرقهم سبب لفشلهم، قال الله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

آداب التنبيه على خطأ الغير:

ولا ريب أن كل واحدٍ منا معرّض للخطأ، فإذا رأينا من أحدنا خطأً؛ فلنتعاون على إزالة هذا الخطأ بالاتصال به، وبيان هذا الخطأ، وقد يكون الخطأ خطأ في ظننا، ولكنه في الواقع ليس بخطأ، فيبين لنا هذا خطأنا في ظننا أنه خطأ، أما أن نأخذ من خطئه سببًا للقدح فيه، والتنفير عنه، فإن هذا ليس من سمات المؤمنين، فضلاً عن كونه من سمات الدعاة إلى الله.

 

من أخطاء بعض الدعاة:

وبعض الدعاة يعامل إخوانه الدعاة هذه المعاملة: يجد أن غيره إذا خالفه، فهو على باطل، وهو الذي على الحق، كأنما يوحى إليه، ولا شك أن هذا المنهج منهجٌ غير سديد، فلا يجوز للإنسان أن يعتقد خطأ غيره، وأنَّ الصواب معه في أمورٍ تقبل الاجتهاد؛ لأنه إذا اعتقد ذلك فكأنما تنصّب منصب النبوة، والرسالة، والعصمة، فالخطأ جائز على غيرك، هو جائز عليك، والصواب الذي تدّعيه لنفسك يدّعيه غيرك، وقد يكون الصواب مع غيرك، والخطأ معك، ومن ثَمَّ صار بعض الشباب الآن ينتمي إلى طائفةٍ معيَّنة، أو إلى عالمٍ معيّن ينتصر له، ويأخذ بقوله، سواء كان صوابًا أم خطأً، وهذا في الواقع مما يشتت الأمة، ويضعف العزيمة، ويجعل هؤلاء الشباب المقبل على الله محلّ هزء وسخرية لأهل الشر والسوء.

وحدة الكلمة وأدب الخلاف:

فالواجب علينا أن نكون كما وصفنا الله: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}، وأن تكون كلمتنا واحدة، ولست أقول: إنه يجب أن يكون قولنا واحدًا بمعنى ألا يقع بيننا خلاف فيما يسوغ فيه الخلاف؛ لأن هذا أمرٌ لا يمكن، لكن أقول: إنه إذا وقع بيننا خلافٌ فيما يسوغ فيه الخلاف، يجب ألا يؤدي هنا إلى اختلاف القلوب، بل تكون القلوب واحدة، والموالاة بيننا قائمة، والمحبة ثابتة، ولو اختلفنا فيما يسوغ فيه الاجتهاد.

 

فالذي أرجوه من إخوتي الدعاة ألا يجعلوا هذه الأمور التي يقع فيها الاختلاف السائغ الذي يُسوِّغه الاجتهاد، ألا يجعلوها سببًا للفرقة والتحزب، وتضليل بعضهم بعضًا؛ لأن ذلك مما يضعف منصبهم أمام أعدائهم، وأنتم تعلمون أن هناك أعداءً يتربصون الدوائر بالدعاة إلى الخير، ولكن من كان الله معه؛ فله العاقبة، وهو المنصور في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}.

أسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أنصار دينه، والدعاة إليه على بصيرة، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ المادة: 5/8/1437.

 
الزيارات: 442