المسؤولية-التربوية-في-الميزان

المجموعة: الأسرة والمجتمع نشر بتاريخ: الثلاثاء، 19 نيسان/أبريل 2016 كتب بواسطة: wdawah
 
[ المسؤولية التربوية في الميزان ]

كتبه : د. خالد سعد النجار.

نعيش اليوم - مع الأسف - واقعًا تربويًا أليمًا، حيث يمكن القول أن كثيرًا من الآباء قدموا استقالتهم تربويًا؛ فلم يعودوا يأبهون أو يهتمون بتربية أبنائهم، وكثيرًا من الأمهات انشغلن عن أبنائهن بالخروج إلى العمل الذي يأخذ حيزًا كبيرًا من أوقاتهن، ومجهودهن، وأصبحن  سلبيات أمام أبنائهن؛ فلم تعدن قادرات على تحمل المسؤولية التربوية.

بل هناك من الآباء والأمهات من يعتقدون أن تحقيق الرفاهية المادية للأسرة هو المطلوب منهم؛ فيظلون طوال اليوم يكدحون ويسافرون، غائبون جسدًا وروحًا عن بيوتهم، حتى إذا ما عادوا إلى أبنائهم يستمرون في غيابهم؛ فيحضرون جسدًا فقط أما معنويًا وتواصلاً وحوارًا مع أبنائهم، ومعرفة حاجاتهم النفسية؛ فيجهلون ذلك أو يتجاهلونه.

كما أن معظم الآباء ينقصهم الوعي التربوي بسبب الأمية المنتشرة في مجتمعنا، وخاصة الأمية التربوية، فمعظم الآباء لا يتأهلون قبل الزواج وبعد الزواج لممارسة الفعل التربوي؛ فهم يربون أبناءهم بالتقليد والعادة وليس بالإطلاع على ما جد في الميدان التربوي أو بالتأسي بأخلاق الرسول --صلى الله عليه وسلم-- في التربية، ولهذا فكثيرًا من الأبناء يعانون من سوء معاملة الأسرة لهم.

ويمكن القول أن ما نراه من مواقف واتجاهات لدى الأبناء اليوم من: التشبث بالقيم المادية، وغلبة روح التواكل، وعدم تحمل المسؤولية، وفقدان روح المبادرة، وعدم الاستقلالية، أو ما نراه من انحرافات سلوكية لدى الأبناء، أو ما يسمى بجنوح الأحداث، كلها نتيجة الأخطاء التربوية داخل الأسرة وخارجها في المدرسة والشارع ووسائل الإعلام.

حتى لا يفلت الزمام:

- الأطفال يحتاجون إلى جرعات كبيرة من الحب والحنان والعطف؛ لأن هذه العواطف تشعرهم بالأمن والطمأنينة، وتجعلهم ينمون نموًا طبيعيًا سليمًا، وتبعدهم عن الاضطراب والخوف والقلق؛ فالطفل الذي ينشأ في أسرة مشبعة بالحب والحنان يكون أكثر انضباطًا وأكثر طاعة وأكثر تعاونًا داخل الجماعة سواء كانت أسرة أو غيرها، ولهذا فإشباع الطفل من الناحية العاطفية هو شيء أساسي في التربية، وديننا الحنيف يحث على هذا، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة في حسن معاملته لأبنائه وأحفاده ومعاملة الأطفال عمومًا، وكيف أنه كان يقبل فاطمة والحسن والحسين وغيرهم من الصبيان.

ووسائل التعبير عن هذا الحب والحنان كثيرة منها: الضم ، القبلة، الابتسامة، المداعبة، اللعب معه، السلام عليه، إشعاره بأهميته داخل الأسرة بإشراكه في أمورها وإعطاؤه الحرية مع المراقبة البعيدة، تشجيعه على الكلام بحرية، دعمه واحترام اختياراته ومشاعره وخاصة مع المراهقين.

- تبني الطفل لقيم ومعايير الوالدين يعتمد على مقدار الدفء والحب الذَين يحاط بهما في علاقته بوالديه؛ فالطفل الذي يرتبط بقوة بالوالد يكون أسرع بالطبع في تبني المعايير السلوكية لذلك الوالد، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، فإن الطفل الذي يتمتع بعلاقة عاطفية دافئة مع الوالدين يكون حريصًا على الاحتفاظ بهذه العلاقة، ويخشى بدون شك من فقدانها بمخالفتهما، فمعظم الأطفال يقلقهم احتمال فقدان العطف والحب اللذَين يتمتع بهما مع والدَيه؛ ولذلك فهو يحافظ على معاييره السلوكية حتى يقلل من حدة ذلك القلق.

- الطفل حساس تجاه الكلام الذي يُوجه إليه، وحساس أيضًا إزاء طريقة معاملة الكبار له؛ فإن خوطب كما يخاطب الشخص الراشد --أي باتزان-- رد بالمثل، وإن عومل معاملة الشخص الذي لا يعي شيئًا، تحول إلى طفل تافه يفقد أي رغبة بالقيام بجهد لتخطي رغباته ونزواته.

- كثيرًا من الآباء يتعاملون مع أبنائهم وكأنهم ممتلكات شخصية لهم، يجب أن يخضعوا لأوامرهم وسلطتهم الأبوية، وهذا من أفدح الأخطاء التربوية التي تجعل الطفل لا شخصية له ولا كيان؛ فالتربية الشديدة والصرامة ومحاسبة الطفل على كل كبيرة وصغيرة وملاحقته، تجعل الطفل يتخذ موقفًا عدائيًا من السلطة الأبوية ومن المجتمع عامة، وقد تدفعه إلى الجنوح والانحراف، أو تجعله يستكين ويخضع ويطيع ولكن النتيجة هي الإحساس بالذل وفقدان الثقة بالنفس والشعور بالنقص، وانعدام روح المبادرة، والعجز عن الدفاع عن حقوقه.

والعكس كذلك صحيح فالتساهل المفرط مع الطفل، والتراخي في معاملته، والإفراط في تدليله تجعله مستقبلاً لا يتحمل أية مسؤولية في حياته؛ فالتساهل المبالغ فيه يعرض الطفل لاضطرابات الشخصية مثله في ذلك مثل الطفل الذي يعامل بقسوة وعنف.

- أي طفل له طاقة كبيرة جدًا، ومن المفروض استثمار هذه الطاقة بشكل مناسب في هوايات وألعاب مفيدة ("الرسم، فك وتركيب الألعاب، الانضمام لنادي علمي". حينها لن يتبقى له الوقت الكافي للشجار أو الصراخ ما دام حقق إشباعًا، ورضي ذاتيًا، واستطاع أن يفرغ شحنة الانفعالات التي لديه.

- الزمن الوحيد الذي يعمل الطفل وِفقَه هو الزمن الذي يحسه هو حسب متعته أو ألمه؛ فإذا كان مستغرقًا في اللعب مثلاً، فإنه يعتقد في قرارة نفسه أن الكون كله سيتوقف احترامًا لتمتعه بعمله ذاك، فلا حق لأي أحد حسب إحساسه أن يشوش عليه متعته تلك، وبالتالي فمن الضروري استحضار هذا الأمر أثناء إلزام الطفل القيام بواجب ما في وقت ما، وذلك بمساعدته للخروج تدريجيًا من زمنه النفسي إلى زمنه الاجتماعي.

فإذا كان مستغرقًا في اللعب مثلا، وكان عليه أن ينتهي منه الساعة الخامسة لينجز واجبًا ما فما عليك إلا أن تنبهه إلى ذلك قبل الموعد بعشر دقائق على الأقل، وإذا كان لديك الوقت الكافي فلتشاركه فيما يقوم به، حتى تدخل معه زمنه النفسي ثم تخرجه منه شيئًا فشيئا. فالزمن عند الطفل زمنًا نفسيًا وليس زمنًا اجتماعيًا.

- احترام الطفل هو احترام رغبته في اللعب وحاجته إليه، وليس القبول برغبته في امتلاك كل الألعاب التي يراها أو التي تقع يده عليها؛ فإن حاز على كل الألعاب التي يطالب بها خسرت هذه الدمى قيمتها لديه، وتحولت عملية المطالبة بلعبة جديدة إلى لعبة بحد ذاتها، إنها لعبة ابتزازية يتقنها الطفل اتقانًا تامًا، ولكن خطورتها تكمن في كونها تحوله إلى طاغية صغير مستبد وإلى كتلة من الأنانية الجوفاء.

- مسألة تربية الأبناء لا بد أن تقوم على أمرين: الثواب والعقاب؛ الثواب إن هم أحسنوا صنعًا، والعقاب إن زاغوا عن الطريق واستمروا في العناد والخطأ، وقضية الثواب لا إشكال فيها، فيمكن أن نكافئهم ببعض الأشياء التي نراها محببة لديهم، لكن بالنسبة للعقاب لا بد من تأطيره بضوابط معينة؛ فمثلا هذا الطفل الذي ننهاه عن فعل أمر ما ويكرره، ونشرح له الأمر ويكرر الخطأ، لا بد من أن نعاقبه بالحرمان، كأن نقول له مثلا: لو كررت هذا الأمر فسأحبسك في غرفتك. وهنا يجب أن نكون هادئين جدًا لكي لا نشعره بالاضطهاد فإذا كرر الخطأ، فعلينا أن ننفذ ما توعدناه به، وحين ينتهي العقاب نسأله إن كان يعرف سبب عقابنا له، ونطالبه بالاعتذار، ثم بعد ذلك نضمه إلينا. حينها سيعرف أننا عاقبناه لمصلحته، وهكذا سيتعلم من خطأه.

- من أخطر الأمور في تكوين شخصية الطفل، التذبذب في المعاملة، بمعنى عدم ثبات الأب أو الأم في استخدام أساليب الثواب والعقاب، حيث يعاقب الطفل على سلوك معين مرة، ويثاب على نفس السلوك مرة أخرى، وهذا ملاحظ كثيرًا في حياتنا اليومية، مثلا: عندما يسب الطفل أمه أو أباه نجد الوالدين يضحكان له ويبديان سرورهما، بينما لو كان الطفل يعمل ذلك العمل أمام الضيوف فيجد أنواع العقاب النفسي والبدني، وهذا التذبذب يجعل الطفل في حيرة من أمره لا يعرف هل هو على صح أم على خطأ، وغالبًا ما يترتب على إتباع ذلك الأسلوب المتذبذب شخصية متقلبة مزدوجة في التعامل مع الآخرين.

- حتى تكون قراراتك التربوية سليمة لا بد أن تقوم على فهم صحيح لسلوك الأبناء؛ فيجب أن يبذل الأب وسعه في فهم محركات السلوك عند أبنائه ما الذي يدفع الابن لهذا السلوك أو ذاك(! لنأخذ مثلاً: كثرة خروج الشاب من المنزل، غالبًا ما ينحصر تفكير الآباء في الاستياء من هذا السلوك الطارئ، ونقد هذا السلوك ومحاولة إبقاء الولد في البيت ومنعه من الخروج ترهيبًا أو ترغيبًا دون أن يبذل بعض الجهد في معرفة دوافع هذا السلوك، تلك الدوافع التي يسعى الشاب عن طريقها إلى إشباع حاجات نفسية واجتماعية ملّحة قد لا تكون الأسرة مهيأة لإشباعها؛ كأن يكون الأب متعسفًا يعاقب على الصغيرة والكبيرة، أو مهملاً غافلاً لا يحظى منه أولاده بالانتباه والاهتمام الكافي، وقد تكون المشكلة في الأم ذاتها أو في اختلافها الدائم مع الأب، وقد يكون للإخوة الآخرين في البيت دور في هذا الأمر، بالإضافة لعامل آخر قد يتداخل مع هذه العوامل، وهو بعض الحاجات التي تظهر لدى المراهقين وخاصة الحاجة للرفقة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ المادة: 11/7/1437.
الزيارات: 420