[ الكبر في حياة بعض المتدينين ]

المجموعة: التربية والتعليم نشر بتاريخ: الخميس، 15 كانون1/ديسمبر 2016 كتب بواسطة: الأدمن الرئيسي

 

د. فتحي أبو الورد.

 

 لفت نظري مبكرًا وأنا طالب في الجامعة كتابان في تنبيه المتدينين إلى بعض الأمراض القلبية التي تصيب النفوس في مقتل، ومن ثم كان التوجيه إلى تداركها قبل استفحالها واستعصائها على العلاج.

 

  أول هذين الكتابين للشيخ الدكتور عبد الرشيد صقر --رحمه الله تعالى-- خطيب مسجد صلاح الدين بالمنيل بعنوان \"علل التيار الإسلامي\"، وثانيهما للشيخ الدكتور السيد نوح --عليه رحمة الله-- بعنوان \"آفات على الطريق\"، وما زلت أذكر جيدًا وصف بعض الدعاة المربين للمدارس الفكرية الإسلامية بأنها مستشفيات لمرتاديها، ذلك لأن فيها المريض والممرض والطبيب.

 

  وقد رأيت من علل بعض المتدينين والمتصدرين من أبناء التيار الإسلامي الكبر، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود عن النبي --صلى الله عليه وسلم-- في تعريف الكبر أنه (بطر الحق وغمط الناس)، وبطر الحق هو دفعه وإنكاره وعدم قبوله ترفعًا وتجبرًا، وغمط الناس أي احتقارهم.

  وقيل الكبر هو: استعظام الإنسان نفسه واستحسان ما فيه من الفضائل والاستهانة بالناس واستصغارهم والترفع على من يجب التواضع له.

 

 ومن أضرار الكبر - كما قال بعض الباحثين - الحرمان من النظر والاعتبار، ومن حرم النظر والاعتبار كانت عاقبته البوار والخسران، وكذلك من أضراره القلق والاضطراب النفسي ذلك أن المتكبر يحب - إشباعًا لرغبة الترفع والتعالي-- أن يحني الناس رؤوسهم له، وأن يكونوا دومًا في ركابه، ولأن أعزة الناس وكرامهم يأبون ذلك، بل ليسوا مستعدين له أصلاً، فإنه يصاب بخيبة أمل، تكون عاقبتها القلق والاضطراب النفسي.

  بعض المتكبرين من المتدينين صنعهم التصدر المجتمعي، كما صنعتهم الآلة الإعلامية، وجعلت منهم نجومًا مثل نجوم السينما قديمًا، وطاب لهم هذا المقام، وعاشوا عليه واطمئنوا به، يريد بعضهم إذا تكلم أن يسكت الجميع، وإذا نطق فلا قول بعد قوله ولا معقب عليه؛ فقوله الفصل، يستنكف أن يراجعه أحد، فهو يرى نفسه أكبر من أن يراجع، وإذا مشى فلقى قومًا أحب أن يبدؤوه بالسلام، وإذا حضر انتظر أن يوسع الناس له في المجالس، وإذا باع أو اشترى رأى من الواجب أن تقدم مصالحه

  ومن قبل قال الشيخ دراز: ليست الشهرة دليل فضل، وليس عدمها دليل نقص، فكم من صالح استتر، وكم من عاطل ظهر، وبعض ضعاف النفوس من الإمعات التابعين يساهمون --بوعي أو بغير وع-- في صناعة المتكبرين، ونفخ الفارغين على حساب شخصياتهم وذواتهم، وفي أمثال هؤلاء ممن يحبون أن يلتف الناس حولهم، ويستكثرون بهم في الغدو والرواح، كان النصح المباشر لهم ولمن حولهم واجب المبصرين لهم قبل أن يستفحل الداء ويستعصي على الدواء.

  كتب يوسف بن الحسين الرازي إلى الجنيد الصوفي الزاهد ناصحًا: لا أذاقك الله طعم نفسك، فإن ذقتها لا تفلح، ولما رأى عمر الناس ملتفين حول الصحابي الجليل أبي بن كعب أحد الذين يؤخذ عنهم القرآن، علاه عمر بالدرة لحكمة رآها، كما جاء في سنن الدارمي، قال سليم بن حنظلة: أتينا أبي بن كعب لنتحدث إليه، فلما قام قمنا، ونحن نمشي خلفه، فرمقنا عمر رضوان الله عليه، فتبعه، فضربه عمر بالدرة، قال: فاتقاه بذراعيه، فقال: يا أمير المؤمنين: ما تصنع؟ قال: \"أو ما ترى؟ فتنة للمتبوع، مذلة للتابع(\"، ولما تولى عمر الخلافة، وناداه الناس بأمير المؤمنين في الذهاب والإياب، توقف الفاروق مع نفسه، وتأمل أثر مثل هذا اللقب على قلبه، وأنه من الممكن أن يغيره ويفتنه، حتى سمعه بعض الصحابة من وراء حائط يكلم نفسه مؤدبًا ويقول: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين والله لتتقين الله يا عمر أو ليعذبنك الله.

  وفي شأن المتدينين المتصدرين المتكبرين ومن على شاكلتهم كان الراحل الكريم الشيخ الغزالي يقول: \"أصلحوا أنفسكم أو اتركوا مواقعكم فلسنا بحاجة إلى علل أخرى\"، نحن بحاجة إلى العودة من جديد إلى محاضن التربية لنتعلم ونعمل ونجاهد أنفسنا للتخلق بالفضائل، عافانا الله تعالى وإياكم من الكبر.

الزيارات: 412