العولمة

المجموعة: قضايا معاصرة نشر بتاريخ: الأربعاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: wdawah
العولمة
عدد التعليقات : 0
الكاتب:

 

 

بقلم / د. عبد الله العمرو.

 

تعريف العولمة:-

العولمة من ناحية اللغة على وزن فَوْعَله من كلمة ( العالمَ ) التي تعني الخلق كله، أو ما حواه بطن الفلك ، أي الكون أو الكرة الأرضية.

وبذلك يكون معنى العولمة: جعل العالم واحداً، وبلا حدود أو تعدد.

أما المعنى المصطلح عليه للعولمة في ميادين العلاقات الدولية، فهو يعني أنها:-

نظام للعلاقات متعدد الأبعاد، ويستهدف الهيمنة والاستغلال بلا حدود.

 

العولمة والعالمية:-

العولمة ليست هي العالمية، وأخصها عالمية الإسلام التي تتناقض معها من وجوه كثيرة،وبسبب تميز عالمية الإسلام من حيث:-

1- مصدرها الوحي الرباني، وهو خارج عن أي مصدر بشري .

2- موافقتها للفطرة البشرية السليمة، وبذلك في خيرية على الدوام .

3- قيامها على تكريم الإنسان حيثما وجد وبصرف النظر عن جنسه ولونه.

4- بذلها العلوم والمعارف وكل ما من شأنه أن يفيد الناس بلا احتكار أو مساومة .

5- إقرارها باختلاف التنوع بين الشعوب فيما شرع الله تعالى، وبذلك فهي ليست عدوانية أبدا .

 

نشأة العولمة:-

العولمة بمعناها السابق أصلها قديم في الحضارات والفلسفات السابقة،والتي كانت تسعى إلى الاحتلال ,والهيمنة, والاستغلال, والسيطرة, وإلغاء حقوق الآخرين, وتدمير وجودهم .

أما في العصر الحديث، فقد ظهرت العولمة بالولايات المتحدة الأمريكية عقب انهيار الإتحاد السوفيتي وتفتته إلى دول مستقلة، وخلو العالم للمعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام (1411هـ = 1991م )، وحيث جاء على ألسنة قادتها بأن المهمة الأساسية لأمريكا هي: توحيد الكرة الأرضية تحت قيادتها، واستمرار هيمنة الثقافة الغربية في مواجهة أية قوى لا تنتمي للحضارة الغربية .

 

مظاهر العولمة:-

1- فرض الخطط الاقتصادية التي ترسمها قوى العولمة الغربية.مثل:البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي، وذلك على غرار ما سمي باتفاقية ( الجات ) الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية.

2- احتواء العالم بثقافة نمطية غربية قائمة على الفلسفة المادية في الأخلاق والسلوك، وإهمال الإيمان بالقيم الصحيحة المطلقة، واعتبار الكسب المادي هو المقياس الوحيد في الحياة، كما تجسد كل ذلك كثير من الشبكات الإعلامية، والقنوات الفضائية، ومؤتمرات منظمة الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة, وبالسكان ,والتنمية التي تدعو جهارا إلى الاعتراف بالزنا , والشذوذ الجنسي,والإجهاض، مقابل الحطّ من قيمة الزواج والأسرة والأمومة.

3- تكريس الهيمنة الغربية ومثل: التهديد بالتدخل العسكري، والمقاطعة الاقتصادية، واحتكار نقل التقنية العالية، ووضع الشروط المجحفة مقابل المساعدات الدولية، واغتصاب فلسطين بالقرارات الدولية.

4- محاربة الإسلام في أحيان كثيرة، وذلك بوصفه بالصفات الباطلة المنفرة، وإلصاق التهم الكاذبة بأهله، والاحتفاء بالطاعنين فيه من أبناء المسلمين, وترويج أقاويلهم ، وأباطيلهم عن نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم - وعن الشريعة وأحكام الأسرة على وجه الخصوص، وكل ذلك لأجل عزل المسلمين عن الواقع المعاصر، وتشكيكهم في دينهم، وغرس الهزيمة في نفوسهم.

 

الموقف من العولمة:-

هناك ثلاثة مواقف من العولمة - طرفان ووسط - وذلك كما يلي:-

 

1- موقف المفتون بها, والموافق عليها بلا تحفظ، إذ عند من يقول بذلك أن العولمة كلها خير ومنفعة للإنسان والحياة، فلا يرى فيها إلا الجانب الإيجابي منها مثل:

1- تسهيل انسياب السلع والبضائع.

2- المشاركة في محاربة الكوارث والأخطار العامة.

3- إتاحة الاتصال بمصادر المعلومات.

4- توافر وسائل التقنية المتطورة.

5- تبادل الخبرات؛ لتحسين مستويات العيش.

 

2- الموقف الرافض للعولمة جملة وتفصيلا، إذ عند من يقول بذلك أن العولمة شر كلها، وتفتك بالإنسان ,وثقافته ,وحضارته ,وبيئته، ولا جانب إيجابي فيها مثل:

1- تمكينها للشركات الاحتكارية المتعددة الجنسيات من السيطرة على المواد الأولية ,والأسواق المحلية والدولية.

2- إلغاؤها لثقافات الشعوب غير الغربية، وتعريضها خصوصياتها الذاتية للاندثار، وإذابتها في بوتقة الثقافة الغربية المادية المستعلية.

3- تدخلها في أنحاء العالم وإلزامها النظام الدولي على اتباع المصالح الغربية ومراعاتها، بصرف النظر عن مصالح الآخرين، ولو أدى الأمر إلى انتهاك  القانون الدولي بنفسه.

 

3- الموقف الوسط ، وهو الذي يرى أن العولمة ليست خيرا محضاً ,ولا شراً محضاً، وأن فيها من هذا وهذا، مثل أي ظاهرة إنسانية توزن بميزان قربها أو بعدها من ميزان الحق ,والعدل.

 

وبذلك فالعولمة:-

1/ ليست محقة على وجه الإطلاق بحلوها, ومرها، إذ يمكن الاستفادة من جوانبها الإيجابية، والتصدي لجوانبها السلبية.

2/ ليست طاغية وسالبة لإرادة الأفراد, والشعوب ، إذ يمكن- رغم قوتها- استثمارها كما يستثمرها الغرب في إبراز الهوية الذاتية، والترويج للثقافة الخاصة والاختيارات الوطنية.

 

إن هذا الموقف يعتبر الأعدل بين الموقفين السابقين، وهو الموقف المقبول؛ لأن العولمة في حقيقتها هي أحد مظاهر سنة التدافع بين الخير, والشر في حياة البشر، وهي بذلك لا تخيف المسلمين إذا ما استقاموا على دينهم، ووثقوا بموعود الله تعالى لهم مما ضاقت بهم الحال، كما قال سبحانه لأسلافهم ويقول لهم: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }. [آل عمران :139]

_________________________________

 

 

الزيارات: 134