(التخلق بأخلاق القرآن)

المجموعة: التربية والتعليم نشر بتاريخ: الخميس، 08 آذار/مارس 2018 كتب بواسطة: محرر 1

 

(التخلق بأخلاق القرآن)

 

كتبه: سعد العثمان.        

 

   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.

 سُئلَت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: "كان خلقه القرآن" رواه مسلم، وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقًا، الحديث رواه الشيخان، وأبو داود، والترمذي، وعن صفيَّة بنت حيي -رضي الله عنه-ا قالت: "ما رأيت أحسن خُلقًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن.

 فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خُلقًا، وأكرمهم، وأتقاهم، قال الله تعالى مادحًا وواصفًا خُلق نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم،4ّ.

 ومن وصف أمنا عائشة -رضي الله عنها- لخلق نبينا صلى الله عليه وسلم نعرف أن أخلاقه عليه الصلاة والسلام هي اتباع القرآن، وهي الاستقامة على ما في القرآن من أوامر ونواهي، وهي التخلق بالأخلاق التي مدحها القرآن العظيم وأثنى على أهلها، والبعد عن كل خلق ذمه القرآن ونهى عنه.

 قال ابن كثير في تفسيره: (ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم صار امتثال القرآن أمرًا ونهيًا سجيةً له وخُلقًا، فما أمره القرآن فعله، وما نهاه عنه تركه، هذا ما جبله الله عليه من الخُلق العظيم، من الحياء، والكرم، والشجاعة، والصفح، والحلم، وكل خُلقٍ جميل".، وعن عطاء -رضي الله عنه- قال: قلت لعبد الله بن عمرو أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظَّ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن!! يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، رواه البخاري.

 يقول نبينا الكريم صلوات الله عليه: (البِر حسن الخلق) رواه مسلم، وفي شرح الحديث السابع والعشرين في الأربعين النووية يقول الشيخ ابن عثيمين: حسن الخلق أي حسن الخلق مع الله، وحسن الخلق مع عباد الله، فأما حسن الخلق مع الله؛ فأن تتلقى أحكامه الشرعية بالرضا والتسليم، وألا يكون في نفسك حرج منها، ولا تضيق بها ذرعًا، فإذا أمرك الله بالصلاة والزكاة والصيام وغيرها؛ فإنك تقابل هذا بصدر منشرح، أما حسن الخلق مع الناس، فهي كف الأذى، والصبر على الأذى، وطلاقة الوجه وغيره.

 وعلى الرغم من حسن خلقه، كان يدعو الله بأن يحسِّن أخلاقه، ويتعوذ من سوء الأخلاق عليه الصلاة والسلام، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم كما أحسنت خَلْقي فأحسن خُلُقي) رواه أحمد ورواته ثقات، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق) رواه أبو داود والنسائي.

 لقد كان رسولنا الكريم خير الناس، وخيرهم لأهله، وخيرهم لأمته، من طيب كلامه، وحُسن معاشرة زوجته بالإكرام والاحترام، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي.

 وكان من كريم أخلاقه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهله وزوجه أنه كان يُحسن إليهم، ويرأف بهم، ويتلطف إليهم، ويتودد إليهم، فكان يمازح أهله، ويلاطفهم، ويداعبهم، وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم؛ أن يرقِّقَ اسمَ عائش  رضي الله عنها كأن يقول لها: (يا عائش)، ويقول لها: (يا حميراء) ويُكرمها بأن يناديها باسم أبيها بأن يقول لها: (يا ابنة الصديق) وما ذلك إلا توددًا، وتقربًا، وتلطفًا إليها، واحترامًا وتقديرًا لأهلها.

 كان يعين أهله، ويساعدهم في أمورهم، ويكون في حاجتهم، وكانت عائشة رضي الله عنها تغتسل معه صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحد، فيقول لها: "دعي لي"، وتقول له: دع لي. رواه مسلم

 وكان يُسَرِّبُ إلى -عائشة رضي الله عنها- بناتِ الأنصار يلعبن معها، وكان إذا هويت شيئًا لا محذورَ فيه تابعها عليه، وكانت إذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرب، وكان إذا تعرَّقت عرقًا -وهو العظمُ الذي عليه لحم- أخذه فوضع فمه موضع فمها، وكان يتكئ في حجرها، ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها، وربما كانت حائضًا، وكان يأمرها وهي حائض فتتَّزِرُ ثم يُباشرها، وكان يقبلها وهو صائم، وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكِّنها من اللعب، عن الأسود قال: سألت عائشة، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ، ويخرج إلى الصلاة. رواه مسلم، والترمذي، وقالت: كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، رواه أحمد، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من أعظم الأمور أجرًا النفقة على الأهل" رواه مسلم.

 فأخلاق القرآن هي التي تجلت في محمد خاتم النبيين، وأصحابه، ومن سار على نهجهم من بعد، وإذا أردنا أن نقدِّر أخلاق القرآن؛ فإنما نتبينها في سيرة من عملوا بالقرآن، فيظهر صلاح القانون حين إنفاذه، ويتبين سداد الرأي حين يختبره العقل، ويعرف رشاد الطريقة حينما تهدي السائرين عليها إلى الغاية المثلى.

 كل ما يزدان به تاريخ الإسلام من سيرِ الملوك، والولاة، والقضاة، والعلماء، والصالحين وغيرهم؛ فهو أخلاق القرآن تتجلى في صور مختلفة، فإذا رأيت أحدًا من هؤلاء قد خاض غمار هذه الدنيا بملك، أو ولاية، أو قيادة، أو حكم، أو توجيه ونحو ذلك، وقد ملك الدنيا ولم تملكه، وسيطر على الأمر ولم يسيطر عليه، فساس العباد بعدل الله، وأتعب نفسه ليريح من ولي أمره، وراقب ربه ليله ونهاره؛ فهذا من أخلاق القرآن.

 ومن يتدبر القرآن يعرف؛ أن القصد الآخر الذي ترمي إليه تربية القرآن، هو أن يُحرِّر الإنسان من أهوائه وشهواته، وأن تتقوى نفسه بالأخلاق القوية القويمة، وأن يزود عقله بالمعرفة، ثم أن يعمل بهذه النفس المحررة القوية، وهذا العقل القويم في معترك الحياة مبتغيًا الخير لنفسه وللناس كافة، ذلكم مقصد القرآن فيما يعلم الأخلاق. 

فهيا لنتخلق بأخلاق القرآن!!

  وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

       

 

الزيارات: 223