روعتك في طهارتك

المجموعة: التربية والتعليم نشر بتاريخ: الإثنين، 20 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: dawah33
روعتك في طهارتك
الكاتب:
 

 

 

بقلم/ . د سلمى بن داود.

 

 

 

 

الحمد لله القائل :{إنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } [البقرة222]،والصلاة والسلام على القائل: (الطهور شطر الإيمان) . صحيح مسلم

وبعد :

فالطهارة: اسم يقوم مقام التطهر بالماء، وهي ضربان :

طهارة جسم وهي: رفع حدثٍ أو إزالة نجسٍ أو ما في معناهما وعلى صورتهما.

وطهارة نفس وهي : ترك الذنب والعمل للصلاح وتنقية النفس من المعايب.

 

وفي التطهر فوائد عظيمة وثمرات جلية وحِكَم ومنافع للقلوب والأبدان، والمتصفين بها يحبهم الله تعالى، كما بين ذلك في كتابه الكريم:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[البقرة:222]، في الآية إشارة إلى الطهارتين:الحسية، والمعنوية، وقد اختلف الفقهاء في حكم المرأة إذا انقطع دم حيضها ولمّا تغتسل بعدُ من الحيض ، هل يحل لزوجها أن يطأها ؟ أم لا يحل له ذلك حتى تغتسل ؟ وقد كان لتنوع القراءات أثر في هذه المسألة؛ وذلك أن القراءات تنوعت في قول الله تعالى: { حَتَّى يَطْهُرْنَ} فقرأ ابن كثير و نافع و أبو عمرو و ابن عامر و حفص عن عاصم ، ويعقوب وأبو جعفر و الحسن و اليزيدي {حَتَّى يَطْهُرْنَ} بسكون الطاء و ضم الهاء المخففة ، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، و حمزة و الكسائي و خلف و ابن محيصن و الأعمش{يطْهُرن} مشددة الطاء و الهاء مفتوحة و أكثر الفقهاء على: أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل لزوجها مجامعتها إلا بعد أن تستعمل الماء، قال ابن جرير الطبري: (اختلف في التطهر الذي عناه الله تعالى ذكره فأحل له به جماعها ، فقال بعضهم هو الاغتسال بالماء و لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها ، وقال بعضهم : هو الوضوء للصلاة ، و قال آخرون : بل هو غسل الفرج فإذا غسلت فرجها فهو تطهرها الذي يحل لزوجها غشيانها، و بالقول الثالث قال عطاء و قتادة)، وخير ابن حزم في أي من هذه الثلاثة فقال: وكل ما ذكرنا يسمى في الشريعة واللغة تطهراً وطهراً فأي ذلك فعلت فقد تطهرت لقوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا}[التوبة108]؛ فجاء النص والإجماع بأنه غسل الفرج و الدبر بالماء، وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:(وبالجملة فليس في الدليل ما يحصر معنى قوله عز وجل: {فإذا تطهرن} بالغسل فقط ، فشمل المعاني الثلاثة السابقة فبأيها أخذت الطاهر حلت لزوجها ، و لا أعلم في السنة ما يتعلق بهذه المسألة سلباً أو إيجاباً غير حديث ابن عباس مرفوعا: (إذا أتى أحدكم امرأته في الدم فليتصدق بدينار وإذا وطئها و قد رأت الطهر ولم تغتسل فلتصدق بنصف دينار)، و لكنه حديث ضعيف). قال السعدي رحمه الله تعالى: (فيه مشروعية الطهارة مطلقاً، لأن الله يحب المتصف بها، ولهذا كانت الطهارة مطلقاً، شرطاً لصحة الصلاة والطواف، وجواز مس المصحف، ويشمل التطهر المعنوي عن الأخلاق الرذيلة، والصفات القبيحة، والأفعال الخسيسة).

 

فالمتطهر: هو الإِنسان المتنزه عن الفواحش والأقذار،وكم نحن بحاجة إلى تطهير أنفسنا ، ولا بد لكل إنسان من التطهر قبل الموت؛ لأن الجنة نظيفة ولا يجاور الرحمن فيها إلا كل ذو قلب نظيف طاهر، فمن لم يتطهر قبل موته فإنه سيتطهر بعذاب القبر، فإن لم يكفيه فبأهوال يوم القيامة ، فإن لم تكفيه، وكان خبثه كثير ؛ فبعذاب النار، وعلى قدر الخبث الذي يكون في قلبه يكون مكوثه في نار جهنم، والعياذ بالله تعالى؛ لأن الجنة كما قلنا نظيفة ولا يجاور الرحمن فيها إلا كل ذو قلب نظيف طاهر؛ وكثير من الناس يظنون أن العمل الصالح مع البقاء على الذنوب ينفع الإنسان عند الله تعالى، ويقولون: (إن هذا في جانب الحسنات وهذا في جانب السيئات، ولعل ميزان الحسنات يرجع على ميزان السيئات؛ فيصلح العبد) ، وهذا من جهل الإنسان بربه تعالى ، فالخير للعبد أن يطهر نفسه من السيئات بالتوبة قبل الفوات .

 

أختي المسلمة: نحن بين فترة وأخرى تذهب الواحدة منا إلى مكتبها، وتفرز الأوراق، وتقوم بإعادة ترتيبها وتنظيمها وترصيصها مرة أخرى؛ فتتخلصين من الشيء الزائد الذي لا حاجة لكِ به، وتبقين ما تحتاجينه، وفي البيت تصبح الغرف والصالات مختلطة؛ فإذا بالأيدي منكِ ومن الخادمة تتدخل وتصلح وترتب من حين إلى آخر، وتطرد النفايات؛ بل الثوب الذي على جلدكِ تراجعينه بين الفينة والأخرى حتى تزيلين ما عليه من الأوساخ، أفلا تستحق نفسك التي بين جنبيكِ أن تتعاهديها لتري ما لحق بها من أذى واضطراب؟

 

وهذه السيارة التي تحملنا إن مشينا بها في الطريق المستقيم صحت، وإن مشينا بها في المطبات ارتجت واحتاجت منا إلى ترصيص وموازنة وتشيك؛ فكيف بنفسك ولا سيما ونحن نعيش في زمن كله فتن؟ فلا بد من وقفة مع النفس نصحح فيها المسار ونزيل منها الأخطاء، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

 

ولقد ضرب لنا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في العناية بطهارة النفس فهذا أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه قَبْلَ بُلوغِهِ المَرْتَبَةَ القُصْوى مِنَ المعرفةِ تَسابَّ هو وبلال الحَبَشيُّ المُؤَذِّنُ رضي الله عنه، فقالَ لَهُ:(يا ابنَ السَّوداءِ، فَلَمَّا شَكا بلال إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم قال لَهُ: شَتَمْتَ بِلالاً، وعَيَّرْتَهُ بسوادِ أمِّهِ قال: "نَعَمْ"، قال: حَسِبْتُ أنَّهُ بقِيَ فيكَ شَيْءٌ مِن كِبر الجاهلية، وفي رواية : أعَيَّرْتَهُ بأمِّهِ؟ إنَّكَ امرؤ فيكَ جاهِلِيةٌ ، فَألقَى أبو ذرٍّ خَدَّهُ على التُّرابِ، ثُمَّ قالَ: لا أرفَعُ خَدِّي حَتَّى يطأ بلالٌ خَدِّي بِقَدَمِهِ) متفق عليه؛ فأنظري يا رعاكِ الله إلى إصرار أبا ذر على تطهير نفسه، وإخراج بقايا الجاهلية منه بأن وضع خده الأبيض على الأرض وأقسم على بلال أن يطأه بقدمه السوداء، والنَّاسُ اليومَ والأمرُ لِلَّهِ قد كَثرُت فيهم خصالُ الجاهِلِيَّةِ، فَترَاهم يُعَيِّرونَ أهلَ البلدِ كلَّهم بِما صَدَر عن واحدٍ مِنهم، فأينَ ذلكَ مِن خصالِ الجاهِلِيَّةِ؟.

 

وحتى لا يقال :أولائك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى لنا أن نبلغ مرتبتهم؟ وأن مثل هذا التصرف لا يقوى عليه سواهم، أقول هم ثلة من الأوليين وقليل من الآخرين أسأل المولى الرحيم أن نكون من القليل؛ فهذا رجل يُحدث عن نفسه فيقول: كنت جالساً في إحدى المطارات أنتظر موعد الإقلاع، وإذا بي أحسست أنني مميز، وأن أغنى الموجدين، وبدأت أتعالى وأتكبر على الآخرين، وإذا بأحد المارة يذكرني بقول الله تعالى :{كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار}[غافر35]؛ فأسرعت إلى عامل النظافة وأخذت منه عصا المكنسة وأخذت أكنس المحل، يقول: فأحسست براحة عجيبة، وقد أزال الله عني شعور الكبرياء، وطهرني, وما قصة ماعز ابن مالك رضي الله عنه عندما زنا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: "يا رسول الله طهرني" ببعيدة عنا.

 

فطهارة الباطن كطهارة الظاهر وطهارة الوجدان كطهارة الأبدان بل أهم، وبها ينال العبد محبة الرب ورضاه.

 

اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء،وألسنتا من الكذب، وأعيينا من الخيانة.

الزيارات: 196