دعوة لإحياء جِدِّية سلفنا الصالح

المجموعة: التربية والتعليم نشر بتاريخ: الإثنين، 20 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: dawah33
دعوة لإحياء جِدِّية سلفنا الصالح
الكاتب:
 

 

 

بقلم / أ. عادل بن سعد الخوفي.

 

لقد حَمَل الأوائلُ همّاً، اصطحبوه في حِلِّهم وتِرحالهم، في عسرهم ويسرهم، في شَبيبتهم وشيبتهم، أورث جِدِّية في حياتهم، فكان لكل أحد منهم يدٌ طولى في الخير، وشامة في جبين الأمة، آمنوا بالله سبحانه إيماناً لا يخالطه شك ولا ريب، وصدَّقوا برسوله - صلى الله عليه وسلم- أكثر من تصديقهم بأنفسهم، ارتدوا جلباب الأعمال الصالحة، وخلعوا عنهم كل منكر وفسوق وعصيان، وعبدوا الله حقَّ عبادته في كل شؤون حياتهم؛ فلم يقفوا عند شهوة أو شبهة، فالأمر لديهم يدور حيث تكون مرضاة الله سبحانه، والتأسِّي بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، ونُصرة دين الله في أصقاع الأرض؛ فالعبادة هي ديدنهم في كل نَفَسٍ يتردّد بين جوانحهم.

قال الإمام ابن القيم - رحمه الله- في مدارج السالكين:: ( صاحب التعبّد المطلق ليس له غرض في تعبّد بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاة الله تعالى أين كانت، فمدار تعبّده عليها؛ فهو لا يزال متنقّلاً في منازل العبودية، كلما رفعت له منزلة عمل على سيره إليها، واشتغل بها حتى تلوح له منزلة أخرى، فهذا دأبه في السير حتى ينتهي سيره؛ فإذا رأيت العلماء رأيته معهم، وإنْ رأيت العبّاد رأيته معهم، وإنْ رأيت المجاهدين رأيته معهم، وإنْ رأيت الذاكرين رأيته معهم)

 

البراء بن مالك - رضي الله عنه- المجاهد الجسور، حين كان مع أصحابه في قتال مسيلمة الكذاب، واستصعب عليهم فتح الحديقة "حديقة الموت"، لم يتردّد ما دام الهدف أمامه واضحاً جلياً، "أمَرَ أصحابه أن يحملوه على ترسٍ على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة، فاقتحم إليهم، وشدّ عليهم، وقاتل حتى أفتتح باب الحديقة، وجُرح يومئذٍ بضعةً وثمانين جرحاً، وأقام عليه خالد بن الوليد يومئذٍ شخصاً يداوي جراحه", وفتح الله على يديه وأصحابه خيراً كثيراً، ونال الله من عدو الله ورسوله مسيلمة الكذاب.

وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- العالم الرباني، ساقاه أثقل في الميزان من جبل أحد، قال عنه صلى الله عليه وسلم: (إنك غلام مُعلَّم)، وقال عن نفسه: (فأخذت من فيه سبعين سورة لا ينازعني فيها أحدحسَّنهما الشيخ الأرناؤوط , أتى الكوفة فَكانت مدرسة عبد الله بن مسعود، وخَرَّج على يديه أجيالاً من التابعين الفقهاء والمقرئين، أبرزهم الشعبي رحمه الله.

ثم جاء على إثرهم رجالات حملوا لواء الدعوة والجهاد والخير، جيل إثر جيل، يقتدي لاحقهم خُطا سابقهم، امتلكوا قوَّة في ذواتهم، لازمتهم هموم الأمة الإسلامية، فلم تنفك عنهم بحال، انسجمت همومهم الشخصية مع هموم أمتهم؛ فأصبح لديهم مُحرِّك داخلي ارتقى بهاماتهم لتقارع الجوزاء، وتسمو إلى العلياء.

صلاح الدين الأيوبي، آلمه أن يكون المسجد الأقصى في يد الصليبيين، فكان شاغله الأكبر تحريره من رجسهم، كان هذا هو مشروعه المبارك، فتْح بيت المقدس، وتحرير الأقصى، عُرِف في هذا الطريق جادّاً حازماً، بل لقد نُقِلت عنه المقولة المشهورة عندما سُئل عن عدم رؤية الابتسامة ترتسم على شفتيه، فقال وقد نطق الهمّ الذي يحمله: (كيف أبتسم والأقصى أسير؟! والله إني لأستحي من الله أن أبتسم وإخواني هناك يُعذّبون ويُقتلون), كان ذلك همّ الأمة الذي حمله في صدره، حتى شعر بالذنب حتى من ابتسامة ترتسم على محيَّاه!

 

لمن يتدفَّق النَّغَمُ

وماذا يكتبُ القَلَمُ؟

ومَنْ ترثي قصائدُنا ؟

وكيف يُصوَّر الألمُ؟

إذا كان الأسى لَهَباً

فقُلْ لي: كيف أبتسمُ؟

هذا الهم الذي حمله، والجدِّية التي اتَّصف بها، يُجلِّيها لنا إبن شداد في سيرته فيقول عند ذكر وقعةِ عكَّا: " وهو ـ أي السلطانُ ـ كالوالدةِ الثكلى، يجولُ بفرسهِ من طلبٍ إلى طلب، ويحثُ الناسَ على الجهادِ, ويناديْ بالإسلامِ وعيناهُ تذرفانِ بالدموعِ، وكلمَا نظرَ إلى عكَّا، وما حلَّ بهِا من البلاءِ، وما يجريْ على ساكنِيها من المُصابِ العظيمِ، اشتدَّ في الزحفِ، والحثِّ على القتالِ، ولم يَطْعَمْ في ذلكَ اليومِ طعاماً البتةَ، وإنما شَرِبَ أقداحَ مشروبٍ كانَ يُشِيْرُ بها الطبيبُ".

ويقولُ في فتحِ الطريقِ إلى عكَّا: "والسلطانُ يوالي هذهِ الأمورَ بنفسِه، ويُكَافِحُهَا بذاتِه لا يتخلفُ عن مقامٍ من هذه المقاماتِ، وهو من شدةِ مرضهِ، ووفورِ همتِه كالوالدةِ الثّكلَى، ولقدْ أخبرني بعضُ أطبائِهِ أنهُ بقيَ من يومِ الجمعةِ إلى يومِ الأحدِ لم يتناولْ من الغذاءِ إلاّ شيئاً يسيراً لفرطِ اهتمامِه".

لقد عاش رحمه الله لهذا الحلم العظيم حتى تحقَّق له وللمسلمين ذلك بعد معركة حطين سنة 583هـ، بفضل الله القدير.

إنَّ صورة حاجة الأمة لرجال متميزين جادّين تظهر في أُمنية فاروق هذه الأمة، ثاني الخلفاء الراشدين، حين ذكر أمنيته فقال: (أتمنى ملء هذه الدار رجالاً مثل أبى عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة أستعملهم في سبيل الله). [صفة الصفوة لابن الجوزي: 155]

 

هذه النماذج الفريدة، والمشاعر الصادقة، والقمم السامقة؛ نحتاج أن نجعلها واقعاً ماثلاً في نفوسنا، في مسارات حياتنا، في تخطيطنا لأهدافنا، بل وفي تربيتنا لأولادنا، لينشأ جيل مؤمن بأنه مسؤول عن دعوة هذا العالم إلى توحيد رب الأرباب سبحانه وتعالى، مسؤول عن إنقاذ العباد من درن الشرك إلى نور الإيمان وضيائه، مسؤول عن تحرير بلاد المسلمين المغتصبة، وأقصانا الجريح المستباح، إلى حياض المؤمنين الصادقين.

 

سرْ في الزمان وحدثْ أننا نفر

شمُّ العرانين يومَ الهول نُفتقدُ

عدنا إلى الله في أعماقنا قبسٌ

من السماوات لا يغتالُها الأبدُ

جئنا نعيدُ إلى الإسلام عزّتَه

وفوق شمِّ الرواسي تُنصبُ العُمُدُ

 

لقد أعجبتني جداً، وهيَّجت مدامعي، واستدعت دعواتي الصادقة؛ مشاعر بريئة خرجت بتلقائية من أحد أبناء الأستاذ /راشد المنصوري- رئيس أكاديمية الفرحة لعلوم الأسرة- بعد عودته من زيارة إلى بيروت، التقى خلالها الأستاذ/ فخر الدين الأيوبي- مخرج قناة (حياتنا)- وفي حديث الأستاذ راشد مع ولده، دار بينهما الحوار التالي:-

الأستاذ راشد: رأيتُ الأستاذ فخر الدين جاداً، يحمل هم الارتقاء ببرامج القناة المتميزة.

الابن: أبي! هل كان الأستاذ فخر الدين يضحك؟

الأستاذ راشد مستغرباً :نعم!

الابن: كيف يا أبي ذلك وجدّه صلاح الدين لم يبتسم!

لقد كانت سيرة القائد صلاح الدين ماثلة في ذهن هذا الصبي المبارك، وكلمته المشهورة التي تنبض حُرقة وجدّية تلوح بين ناظريه، بل أظنه يستلهم منها عزيمته وخططه المستقبلية، بارك الله فيه، وفي والديه اللذين ربياه على هذا الحسّ الإيماني الكريم.

إنها دعوة تفوح عِزَّة وإنتاجية ومجداً، دعوة لإحياء جِدِّية سلفنا الصالح في نفوسنا، في حياة أولادنا وأزواجنا وتلامذتنا ومن كانوا تحت رعايتنا، دعوة للمربين والخطباء والمعلمين والمصلحين والمثقفين، دعوة لأصحاب الرأي والكلمة والموعظة، دعوة لأن نضع أقدامنا في موضعها الصحيح؛ أمَّة منتجة ناجحة قائدة متكاتفة، وما ذلك على الله بعزيز.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الزيارات: 132