الشهر المحرم والهجرة

المجموعة: التربية والتعليم نشر بتاريخ: الإثنين، 20 تشرين2/نوفمبر 2017 كتب بواسطة: dawah33
الشهر المحرم والهجرة
الكاتب:
 

 

بقلم / د. عبد المحسن التخيفي .

 

شهر الله المحرّم، وهو أول شهور السنة الهجرية ، وأحد الأشهر الحُرمِ التي قال الله فيها : {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.[التوبة:36]

وعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ ).[ أخرجه البخاري في " صحيحة]

والظلم منهي عنه في الشهور كلها، ولكن خُصت هذه الأشهر بتحريم الظلم فيها،وتشريفاً لها، وتنويهاً بفضلها,والشهر المحرم أفضل الأشهر الحرم، وكان يُسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه.

الحكمة في تسميته شهر الله:-

عن أبي هريرةt قال: قال رسول اللهe: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرمهذا لفظ ابن حبان ,وقال الحافظ العراقي: ما الحكمةُ في تسمية المحرم شهر الله، والشهور كلها لله؟ يُحتمل أن يقال: إنه لما كان من الأشهر الحرم التي حرم الله فيها القتال، وكان أول شهور السنة،وأضيف إليه إضافةَ تخصيص، ولم يصح إضافة شهر من الشهور إلى الله تعالى عن النبيe إلا شهر الله المحرم".

قال ابن رجب: "وقد سمي النبي - صلى الله عليه وسلم- المحرم شهر الله، وإضافته إلى الله تدل على شرفه، وفضله، فإن الله – تعالى - لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته، كما نسب محمداً, وإبراهيم, وإسحاق , ويعقوب , وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته ".

فضل الإكثار من صيامه: -

ثبت الترغيب في الصيام في الشهر المحرم ، وأنه أفضل الشهور للصيام بعد رمضان، وعن أبي هريرةt قال: قال رسول اللهe: (أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ). أخرجه مسلم في " صحيحة "

ووجه تفضيل عبادة الصيام في هذا الشهر على سائر العبادات ما قاله ابن رجب رحمه الله:"ولما كان هذا الشهر مختصاً بإضافته إلى الله- تعالى- ، وكان الصيام من بين الأعمال مضافاً إلى الله -تعالى-، فإنه له - سبحانه - من بين الأعمال ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله ، بالعمل المضاف إليه المختص به, وهو الصيام".

قال ابن قاسم: "أي أفضل شهر تطوع به كاملاً بعد شهر رمضان شهر الله المحرم؛ لأن بعض التطوع قد يكون أفضل من أيامه؛ كعرفة, وعشر ذي الحجة؛ فالتطوع المطلق أفضله المحرم، كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل؛فإن قيل: لم كان النبي e يكثر من صيام شعبان أكثر من صيام المحرم؟ قال النووي:فإن قيل: في الحديث إن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم، فكيف أكثر الصيام في شعبان دون المحرم؟ فالجواب: لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه؛ كسفر, ومرض, وغيرهما".

فضل صيام يوم عاشوراء:-

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ r يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إَِلا هَذَا الْيَوْمَ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِي: شَهْرَ رَمَضَانَ] صحيح البخاري:2006 [ ,ومعنى يتحرى :أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه. ] فتح الباري: (4/292) [

وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ t، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: (صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ). ] صحيح مسلم:1162[

أصل مشروعية صيام عاشوراء:-

وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: (قَدِمَ النَّبِيُّ r الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ)] صحيح البخاري، 2004 [,وقد أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس زيادة في سبب صيام اليهود له، وحاصلها أن السفينة استوت على الجودي فيه، فصامه نوح ,وموسى شكرا.

الحكمة من صيام يوم عاشوراء:-

الحكمة من صيامه هو أن يوم عاشوراء هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى -عليه السلام- وقومه من فرعون وجنوده، فصامه موسى شكراً لله - تعالى-، وصامه نبينا - صلى الله عليه وسلم- وأمر بصيامه؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما- قال: (قدم النبي - صلى الله عليه وسلم- المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء؛ فقال لهم النبي- صلى الله عليه وسلم-: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه؛ فصامه موسى شكراً لله فنحن نصومه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: فنحن أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأمر بصيامه). صحيح مسلم

أما الحكمة في صيام اليوم التاسع: فقد نقل النووي- رحمه الله-عن العلماء في ذلك عدة وجوه
أحدها: أن المراد مخالفة اليهود؛ في اقتصارهم على العاشر.

الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم، كما نهى أن يصام يوم الجمعة وحده.

الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية نقص الهلال ووقوع غلطٍ ؛فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر.

وأقوى هذه الأوجه هو مخالفة اليهود؛ كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

مراتب صيام يوم عاشوراء:-

أولاً: صيام اليوم التاسع ,واليوم العاشر، وهذا أفضل المراتب؛ لحديث أبي قتادة عند مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال في صيام يوم عاشوراء :أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله"، ولحديث ابن عباس عند مسلم أيضاً " لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع ,والعاشر.

ثانياً: صيام اليوم العاشر, والحادي عشر؛ لحديث ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: ( خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده). أخرجه أحمد وابن خزيمة

ثالثاً: صيام اليوم التاسع, والعاشر ,والحادي عشر؛ لحديث ابن عباس مرفوعاً :" صوموا يوماً قبله ويوماً بعده" .

رابعاً: إفراد العاشر بالصيام ؛ لحديث أبي قتادة عند مسلم: " أن النبي rقال في صيام يوم عاشورا:" أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله".

حدث عظيم في هذا الشهر:-

وفي هذا الشهر يوم حصل فيه حدث عظيم ,ونصر مبين أظهر الله فيه الحق على الباطل؛ حيث أنجى فيه موسى - عليه السلام- وقومه، وأغرق فرعون وقومه؛ فهو يوم له فضيلة عظيمة، ومنزلة قديمة.

عن ابن عباس - رضي الله عنهما- أن رسول الله r قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء؛ فقال لهم رسول الله r)ما هذا اليوم الذي تصومونه؟فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، و أغرق فرعون وقومه؛ فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه؛ فقال رسول الله r: "فنحن أحق وأولى بموسى منكم" فصامه رسول اللهrوأمر بصيامه( متفق عليه، ولأحمد عن أبي هريرة نحوه وزاد فيه: (وهو اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكراً(, وفي هذا عظة, وعبرة لأهل الإيمان بأن الله معهم يؤيدهم, وينصرهم، وأنه مهما بلغ كيد أعدائهم فإن العاقبة لهم.

البدع التي اقترنت بشهر الله المحرم:-

في يوم العاشر من شهر محرم من سنة (61) أكرم الله الحسين بن علي بن أبي طالب بالشهادة؛ فجعل بعض الخلق من يوم مقتله مناسبة للحزن عليه، وتذكر ما جرى عليه من المصائب، وقال شيخ الإسلام:" قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وصار الشيطان بسبب قتل الحسين - رضي الله عنه- يحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن, والنوح يوم عاشوراء ، ومن اللطم, والصراخ ، والبكاء ، والعطش ، وإنشاء المراثي، وما يفضي إلى ذلك من سبّ السلف ولعنهم، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب ، حتى يسب السابقون الأولون ، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب ، وكان قصد من سن ذلك ،وفتح باب الفتنة ,والفرقة بين الأمة ، فإن هذا ليس واجباً ,ولا مستحباً باتفاق المسلمين؛ بل إحداث الجزع, والنياحة للمصائب القديمة ، من أعظم ما حرمه الله ورسوله).

الهجرة في ربيع أول:-

السنة السادسة عشرة للهجرة هي بداية العمل بالتاريخ الهجري، وهذا العمل من أهم الأعمال التي قام به الخليفة الراشد عمر بن الخطابt، وكانت مشورة علي بن أبي طالبt، ولأن العرب كانت تعتمد شهر المحرم بداية للسنة؛ لأنه الشهر الأول بعد رجوعهم من الحج؛ فجعلوه الشهر الأول للسنة الهجرية؛ لأن الهجرة كانت في شهر ربيع الأول.

_________________

الزيارات: 122