[ من عالم الفن .. إلى طمأنينة القرآن ]

المجموعة: تجارب دعوية نشر بتاريخ: الأحد، 03 كانون1/ديسمبر 2017 كتب بواسطة: wdawah
[ من عالم الفن .. إلى طمأنينة القرآن ]
عدد التعليقات : 0
الكاتب:

 

 

 

أ‌.        صفية عبد الله.

 

هي فتاة فرنسية، نشأت هناك، وتلقت جل تعليمها في بيئة تُرسخ في ذهنها معاني الإلحاد ، حيث اعتقدت منذ صغرها بأن أصل الإنسان قرد !

وكان التعليم في فرنسا وجامعاتها يؤصل هذا الفكر ، وأنه ليس من خالق للكون، لكن الأخت "سكينة " كانت تعتقد أن لهذه القرود خالق، وكانت جدتها نصرانية تحكي لها قصص الأنبياء كموسى وعيسى عليهما السلام، إلا أن سكينة ظنت هذه القصص من خرافات جدتها، واستمرت في إلحادها، وفي سن الخامسة عشرة من عمرها تكونت لديها قدرات موسيقية ، وتعلمت موسيقى البوب، وخلال سنتين أصبحت مشهورة كشهرة رئيس فرنسا ، وما أن صار لاحترافها الفن أربع سنوات إلا قد بيع لها أكثر من خمسة ملايين قرص غنائي.

وما أن بلغت سن السادسة والعشرين إلا ولديها كل ما يحلم به إنسان من مال وجمال وشهرة ؛ ما يجعلها تستطيع السفر إلى أي مكان تشاء ، وفي أي وقت .

ورغم كل مقومات السعادة - في نظر البعض - ؛ إلا أنها كانت تعاني من فراغ كبير في قلبها ، وتشعر بالتعاسة الشديدة ، وكانت دوماً ما تتساءل عن الخير والشر ، وسبب الوجود وأمور الحياة ولا تجد إجابة شافية؛ فما كان منها إلا أن حاولت الانتحار مرات عديدة ولكن الله شاء لتلك المحاولات أن تفشل، وذلك وسط دهشة أصحابها والمقربين منها، حيث كانوا يرون بأن لديها كل ما يجعلها سعيدة، فلمَ التعاسة التي تشعر بها ؟

بعد تلك المحاولات ابتعدت عن عالم الفن حوالي عام تقريباً، زارت خلالها المصحات النفسية أملاً بطب لحالتها، لكن ذلك لم يأتها بفائدة تذكر؛ حيث كان الأطباء هناك يحقنونها بأدوية تخدر عقلها عن الأسئلة ، وروحها عن الشقاء، إلا أن حالتها تزيد سوءاً ؛ فألهمها الله سبحانه وتعالى آنذاك أن تدعوهـ بأن ينقذها مما هي فيه ، وإن كان موجوداً فستؤمن به، وفعلاً بدأت تتماثل للشفاء ، وتدب الطمأنينة في روحها.

وبعد أن عادت إلى بيتها، زارتها صديقة مسلمة حديثاً، وأثناء الزيارة، قامت هذه الصديقة لتؤدي الصلاة؛ فقالت لها سكينة : " ماذا تفعلين ؟ أريد أن أصلي معك ! "

لم تنهها هذه المسلمة عن الصلاة، ولم تقل لها أن هذه الأفعال يجب أن لا يؤديها سوى المسلمين، وأنها تتطلب الإسلام والاستسلام ونطق الشهادتين قبلها ؛ إنما وقفت بجانبها باتجاهـ القبلة، وابتسمت لها قائلة : " هيا .. لنصلي معاً ".

أدت سكينة الصلاة مع صاحبتها، وكانت تؤدي معها نفس الحركات، دون أن تتلفظ بدعاء أو سورة من القرآن، كانت تقوم بالإيماءات بكل انقياد واستسلام، إلا أنها حين خرت ساجدة شعرت بما لم تشعر به من قبل !

شعرت أن الله موجود حقاً .

وأنه يستحق العبادة والطاعة .

وأنها الآن في هذه اللحظة ، وفي هذه الوضعية قريبة جداً منه .

شعرت أنه ينتشلها مما كانت فيه .

شعرت أن كل ما كان فيها من أسقام وبلاء قد ولى بوجود ربٍ لا معبود بحق سواه .

فبدأت تتكلم مع الله ، وتسأله أن يقودها إلى الطريق المؤدي إليه ، وأن يخبرها من هو آدم ومن هو عيسى ومن هو موسى !

وبعد ثلاثة أشهر من تلك الحادثة ، ذهبت إلى جزيرة نائية للاستجمام ؛ رافقتها إلى ذلك صاحبتها المسلمة ؛ وأهدتها نسخة من القرآن الكريم، دون أن تقول لها بأن هذا كتاب الله ، أو أنه يحوي كلام الله .

فتحت سكينة هذا الكتاب أثناء الرحلة ، وبدأت بقراءة محتواه ، ولاحظت أن سورة البقرة فيها حديث عن موسى عليه السلام ، وعيسى عليه السلام، وذكر لليهود والنصارى؛ فاندهشت من هذا الكتاب الذي لم يهمش أحداً !

وبعد أن علمت أن هذا هو القرآن كتاب المسلمين أخذت تتساءل : " كيف يكون للمسلمين ويقرؤون عن اليهود والنصارى ؟ وكيف أن فيه ذكر للأنبياء ؟ وأنهم لم يكونوا أعداءً ؛ بل إنهم أتوا جميعاً لتبليغ رسالة واحدة ".

وحين بلغت الآية : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (سورة البقرة:164) ، تأثرت كثيراً بذكر خلق الله لمخلوقات عدة من حولها ، وتيقنت أن لهذه المخلوقات خالقاً.

أكملت القراءة إلى أن وصلت إلى سورة النحل وقوله تعالى : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } (النحل:3-18) ، وهنا ألقى الله النور في قلبها ؛ فذكر مختلف المخلوقات وعظيم صنع الله تعالى بها جعلها تنظر لكل ما حولها بنظرة مختلفة ! وكأن الله سبحانه وتعالى أشاح غشاءً كان يغطي الحقيقة المتمثلة في كل شيء عن عينيها، وعن قلبها، وروحها، فكأنها بأحدٍ يقول لها : نعم ، ما تقرئينه صحيح ، كل ما تقع عينك عليه مخلوق من مخلوقات الله.

تقول سكينة : انهمرت الدموع من عيني، ولا تزال هذه الآيات بالذات تؤثر فيها ، وتؤثر بكل من تقرأ هذه الآيات عندهم من أصحابها وأقربائها الغير المسلمين ، حيث يسكتون وينبهرون بعظمتها.

تقول : " أثناء تلك الرحلة أخذت أنظر لكل شيء ، وأقول لمرافقيّ : انظروا إلى البحر ، انظروا إلى السماء ، إلى الأرض ، إلى الذباب ، انظروا لكل ما حولنا " .

فما كان منهم إلا أن اتهموها بالجنون قائلين : أجننتِ ؟ إن هذه الأشياء موجودة دائماً ، وتنظرين إليها على الدوام ؛ فما بالك ؟

أكملت سكينة قراءة هذا الكتاب الذي لم تعلم إلى الآن من هو كاتبه ! ؛ لكنها تقول بينها وبين نفسها : " لابد أنه الله ! " ثم تتدارك نفسها وتقول : " مستحيل أن يكتب الله كتاباً ، لابد أنه محمد عليه الصلاة والسلام ؛ فمن المستحيل أن يكتب الله كتاباً وأنا لم أسمع به من قبل ".

لكنها كانت تشعر بطمأنينة حين تؤكد لنفسها أنه كتاب من عند الله، وأكملت قراءته حتى وصلت

إلى سورة الملك، وشعرت بارتياح شديد عندما وصلت للآية : { الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ } (الملك:3) ؛ فنظرت إلى السماء تبحث عن التفاوت و لم تجد !

وعادت النظر مرتين ، ولم تجد أي تفاوت ؛ فأكملت الآيات بعدها : { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ }. (الملك:4)

هنا .. تيقنت أن الله تعالى هو الذي أنزل هذا الكتاب ، وليس من عند البشر، وأكملت قراءة القرآن حتى ختمته في سبعة أيام ، وسارعت بإعلان الشهادة ، ثم اغتسلت ، و بدأت حياة جديدة مع الله.

 

تقول سكينة في ختام حديثها : " إن السعادة لم تكن أبداً في الأموال ، أو الممتلكات ؛ بل هي في اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه ".

 

سكينة الآن مسلمة منذ ثلاث سنوات ، تركت الغناء ، وأخذت الحجاب الكامل من عباءة وغطاء للوجه ، وأدت فريضة الحج هذا العام 1432 هـ ، وحكت لنا حكايتها وهي تعيش في سعادة وراحة بعد إسلامها ثبتها الله و إيانا.

 

الزيارات: 397