" استجيبوا لربكم "

المجموعة: قطوف قذلة القحطاني نشر بتاريخ: الأربعاء، 04 تموز/يوليو 2018 كتب بواسطة: محرر 1
" استجيبوا لربكم "
الكاتب:
 

 

 

 

بقلم/ د. قذلة القحطاني

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم  ,أما بعد..

 

يقول عز وجل :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (1) ، ويقول تعالى : (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (2),ما معنى هذه الاستجابة التي يدعونا الله والرسول إليها إنها بلا شك تعني الانقياد لما أمر الله ورسوله والمبادرة إلى ذلك والدعوة إليه ، والاجتناب لما نهيا عنه والانكفاف عنه والنهي عنه " (3) .

 

هذه هي الأركان الأربعة التي لا بد من توفرها في أمر الاستجابة وإلا كان الشخص ناقص الاستجابة . إن الاستجابة تعني الاستسلام ، فالمستسلم له ولغيره والمعرض عن الاستجابة مستكبر.

" إن هذه الخطايا ما سلمنا منهما ولن نسلم ، ولكن الخطر إن تسمح للشيطان إن يستمر ذنبك و يرابي في خطيئتك أتدري كيف ذلك ؟!!

يلقي في روعك إن هذه الذنوب خندق يحاصرك فيه لا تستطيع الخروج منه, يلقي في روعك إن هذه الذنوب تسلبك أهلية العمل للدين والاهتمام به ,وهكذا يضخم هذا الوهم في نفسك حتى يشعرك أنك فئة والمتدينون فئة أخرى ، وهذا حيلة إبليس ينبغي أن يكون عقلك أكبر وأوعى من أن تمرر عليه .." (4) .

 

أختي المسلمة لو كان الأمر كذلك ما انتصر الدين ، ومن منا لا يسلم من الذنوب والخطايا لكن المذنب ينبغي أن لا يتمادى في ذنبه وليعلم أن عليه مسئولية عظيمة اتجاه دينه .

ما هي هذه الحياة التي دعانا إليها ربنا سبحانه عز وجل إنها العقيدة التي تحي القلوب والعقول وتخلصها من ظلمات الجهل والشرك إنها دعوة إلى الشريعة ربانية تحرر الإنسان وتكرمه دعوة إلى منهج حياة متكامل دعوة إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدة الإسلام ومنهجه .

" لأنه لا نافع إلا الله ولا ضار إلا الله وهو المحي المميت وهو صاحب الحكم والسلطة والسيادة ومن ثم ينزع من القلب كل خوف إلا منه سبحانه فلا يطاطيء الرأس أمام أحد من الخلق ولا يتضرع إليه ولا يتكفف له" (5).

 

" أما المشركون والكفار فإنهم يقضون حياتهم على أماني كاذبة فمنهم من يقول نحن أبناء الله وأحباؤه فلن يعذبنا بذنوبنا ومنهم من يقول : إنا سنستشفع عند الله بكبرائنا و اتقيائنا ، ومنهم من يقدم النذور والقرابين إلى آلهته زاعما أنه قد نال بذلك رخصة في العمل بما يشاء , أما الملحد الذي لا يؤمن بالله فيعتقد أنه حر في هذه الحياة الدنيا غير مقيد بشرع الله, وإنما إلهه هواه و شهوته وهو عبدهما "(6).

لقد عانت المجتمعات المعاصرة الكثير من الفوضى والشقاء ؛لأنها فصلت بين الدين والمجتمع وهاهي ذي صورة لما أصاب المجتمعات المعاصرة من تنكرها لدين الله الصحيح, فقد سجلت الإحصائيات والدراسات أرقاما مفزعة عن حوادث السقوط والانهيار الفردي والجماعي.

ندون منها ما يلي :

- جريمة كل ثلاثين ثانية في نيويورك .

- تتعرض 9 فتيات لإغتصاب والاختطاف من أصل كل 12فتاة في بريطانيا ، وأن رجال الأمن تمكنوا من القبض على 13% من الجناة فقط .

- الجرائم ارتفعت بنسبة 84% خلال سنوات قليلة .

- مجموعات من الشبان والفتيات – دون العشرين – يقفون يومياً أمام المحاكم بتهمة ارتكاب أبشع الجرائم .

وإذا كانت هذه الأرقام الناطقة تقدم لنا حقائق مذهلة عن أوضاع الحضارة المادية الأخلاقية والاجتماعية فإن أرقاما أخرى ترسم لنا صورة المأساة الاقتصادية .

 

فقد شهدت الإحصائيات الدولية بما يلي :

-أن في العالم الآن أربعمائة إنسان يعانون الموت البطيء بسبب الجوع .

- أكثر من خمسة ملايين إنسان يموتون كل عام من الجوع ، وفي نفس الوقت يؤكد كافة الخبراء والباحثين إن الولايات المتحدة الأمريكية وحدها قادرة على إطعام هذه الملايين التي يهددها الموت البطيء.

ولعل أصدق دليل على ذلك التصريح ما أدلى به وزير الزراعة الأمريكية في أحد أحاديثه حين قال : " إذا قتلنا نصف عدد الكلاب أو القطط التي عندنا فان ما نوفره من طعام من جراء ذلك في إمكانه إن يسد حاجة جميع الأفواه الجائعة في العالم "(7) .

نشرت مجلة الأسرة في عددها 51 جمادى الآخرة 1418 تقريرا بعنوان " إذا الإيمان ضاع "  ذكرت فيه أرقام مذهلة للتحلل اللاخلاقي التي أصبح يعيشه العالم الغربي حتى أصبح أكثر من ثلث المواليد الجدد يأتون من الزنا ,وان نسبة حالات الولادة الناجمة عن الزنا بلغت في السويد 52.5% وفي أمريكا 49.9% وفي فرنسا 34.9% وفي بريطانيا 33.6% .

" وحسب آخر الإحصاءات فان أكثر من 60% من الامريكين تحت سن الخمسين لا يرون إن الزواج ضرورة في هذا العصر بل يرون إن للعيش الحيواني فوائد ، وأنه أمر محمود ، بينما يرى قطاع أوسع أن الارتباط الحيواني يقلل من المسئولية الاقتصادية اتجاه الأزواج, هذا الرأي يستند إلى حقيقة فرعية ، وهي أن أكثر من ثلث الامريكين اليوم يعيشون تحت سقف الفاحشة " (8).

 

وكان لهذا الوضع المأساوي نتائج وخيمة منها :

1- انحدار مستوى الأطفال البائسين اجتماعيا وارتفاع مستوى الأمراض النفسية.

2- ارتفاع نسبة الإجهاض .

3- شيوع الايدز بين النساء .

4- انخفاض مستوى الإنجاب لاسيما بين البيض وانحسار ظاهرة الزواج المبكر.

5- ارتفاع مستوى العنف الداخلي بين المتعاشرين حيوانيا.

6- ارتفاع مستوى تعاطي الكوكاين والكحوليات والسجائر .

7- صعوبة السيطرة على المراهقين في الأجواء التي يتحلل فيها الكبار من الفضيلة.  (9)

تلك صورة لهذه المتجمعات التي بعدت عن منهاج ربها ، فهل يغتر بهم أبناء المسلمين ويتخذونهم قدوة لهم بحالهم هذه ولكن حقا .. ليس بعد الكفر ذنب .

يقول تعالى : {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } (10) الآية أي " فإياكم أن تردوا أمر الله أول ما يأتيكم فيحال بينكم وبينه إذا أردتموه بعد ذلك ، وتختلف قلوبكم فان الله يحول بين المرء وقلبه ,ويقلب القلوب حيث شاء ويصرفها أنى شاء ,فليكثر العبد من قول:( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) (11) .

عن أنس ابن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " قالوا : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال : " القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء " .

 

يقول المستشرق شاتليه في كتابه ( الغارة على العالم الإسلامي ) :

"إذا أردتم أن تغزوا الإسلام وتحصدوا شوكته وتقضوا على هذه العقيدة التي قضت على كل العقائد السابقة واللاحقة ، والتي كانت السبب الرئيسي لاعتزاز المسلمين وشموخهم وسبب سيادتهم وغزوهم للعالم ، فعليكم أن توجهوا جهودكم إلى نفوس الشباب المسلم بإماتت روح الاعتزاز بماضيهم وتاريخهم وكتابهم وتحويلهم عن ذلك بنشر ثقافتكم وتاريخكم ونشر روح الإباحية وتوفير عوامل الهدم المعنوي ، وحتى لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء فانه يكفينا ذلك لأن الشجرة يجب أن يتسبب قطعها أحد أغصانها " (12) .

 

أمثلة للاستجابة من حياة السلف :

لقد ضرب الصحابة الكرام والسلف الصالح أروع الأمثلة في الاستجابة لأمر الله وتقديم رضا الله عز وجل على هوى النفس وشهواتها ومن تلك الأمثلة الرائعة :

 

1- قصة زواج جليبيب رضي الله عنه أخرجها الإمام أحمد في المسند وابن حبان عن أنس قال : "خطب النبي صلى الله عليه وسلم على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها ، فقال حتى استأمر أمها فقال النبي : فنعم إذن قال : فانطلق الرجل إلى امرأته فذكر ذلك لها فقالت : لا ها الله ( لا والله ) إذن ما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جليبيبا وقد منعناها من فلان وفلان . قال والجارية في سترها تستمع . قال : فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقالت الجارية : أتريدون إن تردوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ؟ إن كان قد رضيه لكم فانكحوه ، فكأنها جلّت عن أبويها ( أي كشفت وأوضحت أمرا خفي عليهما ) وقالا : صدقت . فذهب أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن كنت قد رضيته فقد رضيناه قال: فاني رضيته فزوجها بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مغزى له وأفاء الله تبارك وتعالى عليه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " هل تفقدون أحد " قالوا نفقد فلانا ونفقد فلانا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لكني أفقد جليبيبا فانظروه في القتلى " فنظروه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. قال : فوقف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه " ثم حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه ، ماله سرير غير ساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حفر له ثم وضعه في لحده . وحدث اسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتا قال : هل تعلم ما دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد زوجة جليبيب قال : اللهم صب عليها الخير صبا ، ولا تجعل عيشها كدا كدا " قال : فما كان في الأنصار أيم أنفق منها ".

2- قصة زينب بنت جحش رضي الله عنها وزواجها من زيد بن حارثة رضي الله عنه وكان مولى .

3- موقف الصحابة رضي الله عنهم عند تحريم الخمر .

4- موقف الصحابيات رضي الله عنهن عند نزول آية الحجاب .

5- ابتلاء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالصيد .

 

تنبيهات :

 يقول البعض إذ أمر بأي أمر من أمور الشريعة أنا لم أقتنع, لا بد من القناعة في ذلك الأمر ثم استجب له .

 والرد على هذه الدعوى أن نقول لهؤلاء الأشخاص أن الإسلام قد أمرنا بأعمال العقل وذم الذي لا يستعملون عقولهم في آيات كثيرة من القرآن تصل إلى قرابة الخمسين آية , ولكن لا يعني ذلك أعمال العقل بلا حدود لأن هناك أمور لا مجال لأعمال العقل فيها , والإنسان إذا دخل في الإسلام وأقر بأن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومعنى ذلك أنه استسلم وخضع لجميع ما تقضية ( لا اله إلا الله وان محمد رسول الله ) فإذا ردَّ شيئا مما تقضيه هذه الكلمة كان معنى ذلك أنه يناقض مضمون ما عقده مع الله .

 

نضرب مثالاً ولله المثل الأعلى لو أن هناك عبدا يقر بالعبودية لسيده, ثم إذا كلفه ذلك السيد بأي أمر من أموره لم يخضع ولم يقبل ذلك الأمر ، وقال لسيده برره لي ولماذا طلبته ولو حصل ذلك لكان ذلك موجباً للعقاب له من سيده .

 

وهكذا شهادة المرء على رضاه بأن محمداً رسول الله معناه قبول أي أمر يأتي به ذلك الرسول عن مبلغه وفقه الله جل وعلا.  (13)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) [ سورة الأنفال ، الآية : 24].

(2) [سورة القصص ، الآية : 49-50 ].

(3) تفسير ابن سعدي ( 3/156).

(4) رسائل إلى الأحبة للطريري 7-8 .

(5) باختصار من كتاب مبادئ الإسلام نقلا عن الولاء والبراء ص 51.

(6) المرجع السابق ص 52.

(7) الإسلام وحاجة البشرية إليه 12-19.

(8) مجلة الأسرة العدد 51 جمادى الآخرة 1418هـ .

(9) انظر المرجع السابق ص 33.

(10)آية24 سورة الأنفال.

(11) تفسير ابن سعدي (3/156).

(12) اعترافات متأخرة (2/70).

(13) انظر في بناء الشخصية الإسلامية ص 17-24 .

الزيارات: 108