ضيف الحوار/ أ. محمد بن يوسف الجاهوش.
أجرت الحوار/ أ. المراسلة /أمينة سلامة .
الناظر في منهج الدعوة الإسلامية يرى أنه قائم على الرفق ,واللين ,والرأفة والرحمة ,ولا يقوم على العنف والشدة، والغلظة والنقمة؛ فالموعظة الحسنة خطاب يشتمل العواطف ويؤثر في القلوب رغباً ورهباً, فالرفق واللين هما مسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة والمعاملة, لذا نرى القلوب تميل إلى من يلين ويرفق بها , فكانتا الرفق واللين صفتان محبوبتان إلى الله تعالى, فهما من أهم مفاتيح القلوب لأن الناس بطبيعتهم ينفرون من الغلظة والفظاظة والخشونة، ويألفون الرفق واللين وتجذبهم الكلمة الطيبة والعبارة اللطيفة, فرسولنا الكريم صلى اله عليه وسلم كان أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقا , لهذا نتساءل , هل تخلق الدعاة بأخلاق رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام ؟ من هذا المنطلق ارتأينا أن نتناول موضوع الفظاظة والرفق لدى الداعية بالنقاش مع ضيفنا الكريم الداعية (الشيخ محمد بن يوسف الجاهوش) ونسأل الله أن ينفع بما قدم جميع المسلمين .
س1/ بداية لنتعرف على ضيفنا الكريم وسيرته العطرة ؟
الاسم: محمد بن يوسف الجاهوش – أبو معاذ .
ـ درستُ المرحلة الابتدائية في قريتنا (كناكِر) إحدى قُرى ريف دمشق، ولما لم يكن في البلدة مدرسة متوسطة انتقلتُ مع مجموعة من الطلاب إلى دمشق، فدرستُ المرحلة الإعدادية أربع سنوات في الثانوية الشَّرعية (المعهد الديني)، ثم التحقتُ بالأزهر الشريف، فدرستُ المرحلة الثانوية في معهد البعوث الإسلامية، حيث حصلت على الثانوية الأزهرية بتقدير "جيد جدًا"، ثم درستُ المرحلة الجامعية في جامعة الأزهر ـ كلية الشريعة والقانون، وتخرجتُ بتقدير "جيد جدًا".
ـ مارستُ التدريس بعد ذلك في كل من سورية، والسعودية، والكويت، وأعمل الآن إمامًا وخطيبًا في دولة الكويت.
س2/ شيخنا الجليل لكل منا بداية فكيف هي بدايتكم في العمل في مجال الدعوة إلى الله ؟
بدأ مع التوجه نحو الدراسة الشرعية، وكنتُ ـ آنذاك ـ الطالب الوحيد في قريتنا الذي توجه للدراسة الشرعية، وفي جو القرية يتوجه النظر إلى مثل هذا النوع من الدراسة، ويُسأل صاحبها عن كثير من الأمور الحياتية, والدينية, وغيرها وهذا ينمّي شخصية صاحبه، ويجعله يهتم بتوسيع ثقافته حتى لا يُحرج أو يُنتقَد .
وفي الوسط الطلابي كان هناك صراع بين الفكرة القومية والفِكر الإسلامي، فعشنا في هذا الجو المشحون بالأفكار والآراء المتفقة والمختلفة، فكانت البداية من هنا، واستمرت الانطلاقة في مجال الدعوة منذ أكثر من نصف قرن .
س3/ لنعرف قراءنا على معنى الرفق واللين والحكمة منهما في الدعوة إلى الله ؟
هذه الكلمة الحانية اللينة الهينة، المشتقة من اسم من أسماء الله الحسنى (الرفيق) يقول عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، و لا نزع من شيء إلا شانه). حديث صحيح ,والداعي إلى الله لا يستطيع تبليغ رسالة ربِّه، وأداء أمانته إلا إذا كان رفيقاً ليناً، يدعو إلى الله على بصيرة، ويتخذ الرفق واللين منهاجاً، حتى يتألف القلوب وتلتف من حوله العقول، وهذا ما وجهنا إليه القرآن الكريم: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه44] ,كما حذّرنا ربنا عز وجل من الغلظة والفظاظة، وبيّن لنا سوء آثارهما: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران159] ,وهكذا نجد أنه لا نجاح للداعية إلا إذا تحلى بالرفق، ولا ثمرة لجهوده ترتجى إلا باللين، ولن تجتمع القلوب إلا على السماحة والإحسان.
س4/ {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً*فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً*وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً*ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً*ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً*فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً} [نوح5-10] ,ما دلالات هذه الآيات الكريمة للداعية وما هي الدروس المستفادة منها ؟
الجد والمثابرة والإخلاص: طريق تحقيق النجاح.
في قصة سيدنا نوح عليه السلام مع قومه نلمح ملامح هذه الحقيقة: دعاهم بهمة وباستمرار من غير سأم ولا ضجر، فهو يعيش هموم الدعوة ليله ونهاره، إعلانًا وإسرارًا، ترغيبًا وترهيبًا، ولم يمنعه عناد قومه وشدة إعراضهم من الاستمرار في دعوته، وقرع آذانهم بكلمة الحق، ثم ترغيبهم بما عند الله تعالى.
وموقف سيدنا نوح عليه السلام يوحي للمسلم الداعية بدلالات منوعة، منها:
أ/ الإصرار والثبات على الحق مهما اشتد أذى الإعراض.
ب/ تنويع أسلوب الخطاب بما يناسب مقتضى الحال، ومخاطبة كل فئة بما تدركه عقولهم وإمكاناتهم.
ج/ استعمال أسلوب الترغيب والترهيب: {يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارا} [نوح:11]
وتوضيح نتائج المواقف، والتأكيد على أن الربح مضمون لمن أطاع، والخسارة محققة لمن عصى وأعرض.
س5/ شيخنا الفاضل لو تلمحنا منهج الرفق واللين والبعد عن الفظاظة من خلال القران الكريم كما في الآية الكريمة {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل125] لنتعرف على دلالات هذا المنهج داخل القران الكريم ؟
الرفق واللين: مفتاح كل قلب مغلق، والقرآن جاء لإحياء القلوب وإزالة ما أصابها من غفلة وإعراض: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} . [محمد:24]
ولا يتحقق هذا إلا إذا طبقنا في حياتنا منهج التراحم والمودة، واستعملنا الحكمة في توصيل مفاهيم الإسلام إلى الناس، فكم من شارد أعادته كلمة طيبة، وكم من ضال اهتدى بموقف حسن, فقد جُبلت القلوب على حبِّ من أحسن إليها، وبغض من عاملها بالإساءة، لذلك نجد القرآن الكريم يوجهنا إلى الانضواء تحت شعار الإخاء: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات:10] ؛لأن فيه من معاني العطف ما ليس في سواه، ويحثنا كذلك على التعاون والتآزر في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. [المائدة:2]
ويوجهنا نبينا صلى الله عليه وسلم إلى تطبيق المعنى عمليّاً فيقول: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، وحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) حديث صحيح ,ويقول لنا: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) حديث صحيح ,فلن تستمر الدعوة إلى الله إلا إذا سلك الدعاة سبيل الحكمة والموعظة الحسنة مع من يدعونهم: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46] ,ومهما اشتد عناد المدعوين فيجب أن يزيد تمسك الدعاة بالحكمة واللين، وهل هناك من هو أعتى وأكثر تجبرًا في الأرض ممن {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ,ومع هذا الغلو قال الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه:44] ,ولقد أمرنا ربنا أن نخاطب الناس جميعا بالقول الحسن، قال تعالى: {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} [البقرة: 83]
س6/ لنتحدث عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الرحمة واللين وعدم الفظاظة ؟
منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع جميع الكائنات مبني على الرحمة واللين، وعلى الرحمة والإحسان .
مع الإنسان: أيّاً كان دينه ومعتقده {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] ,ومن منطلق هذا التكريم كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم أن يحفظ للإنسان كرامته، ودمه، وماله، وعرضه، وجميع حرماته، مسلمًا كان أو غير مسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يعفو عمن ظلمه، ويُعطي من حرمه، ويعين ذا الحاجة، ويغيث الملهوف، ويحسن إلى اليتامى والمساكين، يؤاكلهم ويجالسهم، وقال لمن أرعد عندما كلّمه: (هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد) حديث صحيح ,وجاء أحد الأعراب فبال في المسجد، فثار عليه بعض من حضر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يقطعوا عليه بوله، ثم استدعاه وذكر له حرمة المساجد، ووجوب المحافظة على طهارتها دون أن يزعجه بكلمة ,ويقول خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه: (خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته، لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله، ألا فعلته؟ وكان بعض أهله إذا عاتبني على شيء يقول: دعوه فلو قضي شيء لكان) .
س7/ قد نرى في وقتنا الحاضر بعض مظاهر الشدة والفظاظة من قبل الدعاة أو الداعيات ما آثار ذلك على الدعوة إلى الله ؟
الشدة والعنف لا يأتيان بخير أبدًا، ولا يليق بمن يتصدر للدعوة رجلاً أو امرأة أن يكون شديد المعاملة، فظ الطبع، لأن ذلك يجعله مبغوضاً من الناس، مكروهاً لديهم، لا يحبونه ولا يألفونه، وبالتالي يفشل في مهمته، ويخسر أجره وجهده, وقدماً قيل:
أحسنْ إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان
ولا شك أن أثر الفظاظة والغلظة هو الفشل والخسارة.
س8/ لقد جُبلت النفوس على حب من أحسن إليها أما القسوة و الشدة تدفعها أحياناً إلى المكابرة و الإصرار و النفور فتأخذها العزة بالإثم ما تعليقكم على هذا القول ؟
هذا قول صحيح كل الصحة، ولعلي في إجابتي على ما قبله الحث على ذلك، وقائدنا صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي كان من أسباب نجاحه في دعوته، والتفاف القلوب حوله: "حسن خلقه، وكريم معاملته" قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة128] ,هذا ديننا، وهذا خلق نبينا صلى الله عليه وسلم وبذلك نجح إسلامنا.
س9/ نتساءل في هذا المقام أين سينتهي الرفق؟ وإلى أين ستنتهي الفظاظة والشدة؟
يُطلب من الدعاة إلى الله تعالى التحلي بأفضل الأخلاق، والاقتداء بزعيم الدعاة وقائدهم صلى الله عليه وسلم فقد كان هاشّاً باشاً مُبتسماً في أحلك الظروف وأقساها، ينصح ويعلّم، ويستعمل التلميح والإشارة فيقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا, لينتهينَّ أقوام عن فعل كذا، أو لينزلنَّ بهم عقاب من الله) ولا يلجأ إلى التصريح إلا إذا كان لابد منه ,وكان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا ,وكان سمح الخلق باسماً حتى مع أعدائه الذين حاربوه وقاوموه فعفا عنهم جميعاً .
س10/ ما هي أهمية الرفق و اللين في الدعوة إلى الله تعالى؟
مما سبق ندرك كبير أهمية كل من الرفق واللين، وكيف أنهما السبيل إلى فتح مغاليق القلوب.
س11/ سؤال يطرح نفسه بقوة وقد تتساءل عنه المرأة الداعية متى نستعمل اللين ومتى نستعمل الشدة ؟
المرأة الداعية مطلوب منها الرفق واللين شأنها في ذلك شأن الرجل ،ولا يصح استعمال القسوة مع جمهور المدعوين، رجالاً كانوا أو نساء، فإن ذلك ينفرهم، ولا تليق القسوة بالمرأة وهي التي منحها الله رقة العاطفة ولين الطبع، ولا يصح أن تكون قاسية إلا في بعض المواقف في تربية أولادها.
12/ برأيكم أتتفوق المرأة الداعية على الرجل الداعي في اللين أكثر منه في الشدة أم يتساوى الاثنان في القدر من اللين والشدة ؟
المرأة أرق عاطفة، وألين عريكة، والرجل أصبر على تحمل المشاق، وأكثر كظم للغيظ، فلكلاً مميزاته وخصائصه، على أن نجاح المرأة في الدعوة في أوسط النساء ملفت للنظر، حيث أنها أدرى لواقعهن وأقرب إليهن في تفهم مشكلاتهن.
س13/ لو أردنا منك كلمة أخيرة ورسالة، فلمن توجهها؟ وما فحواها؟
إنني مهتم كثيراً بتوجيه الناشئة نحو الكمال الإنساني، حريص على غرس الفضيلة في نفوسهم، لا يشغلنا شيء عن توجيههم نحو ضرورة الاعتزاز بالانتماء الإسلامي، والعمل الجماعي الملتزم، فاليد الواحدة لا تصفق، وإنما تأكل الذئب من الغنم القاصية .
فيا شباب الصحوة ـ ذكوراً وإناثاً اجعلوا منهج الله أمامكم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتكم، وسيرة السلف مرشدكم، يتحقق الخير على يديكم بإذن ربكم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ