لسان الناصح .. أين؟!
بقلم / د.عبد الله الهذيل.
كثيرة هي الألسنة التي تنطق بصوت مسموع أو بحرف مقروء أو بإشارة مشاهدة، متزاحمة على أبواب السمع والأبصار والأفئدة، لتلج بحب أو بغض، وبنصح أو مكيدة، وبنور أو ظلمة، وما بين الغايتين مسافات على قدر في القرب والبعد، يكون معها اللبيب فطنا لا مخدوعا بزخرف القول، ولا مهووسا بوساوس الترصد، فالفرقان قائده أن يكون كما عمر- رضي الله عنه - حين قال: ( لست بالخب، ولا الخب يخدعني).
وقياس صدق اللهجات ونصح الألسنة لا يحتاج إلى دقة مجاهر، ولا موازين رقمية، بل الظاهر العام كاف في الفرز والتعرف ؛ فالصادق تضيء أنوار صدقه مع كل همسة وحركة من صوته، ولو تعثر الحرف، وأخفق التعبير، وتلعثم اللسان، فتقال له العثرة، ويصان له جميل القول والفعل,
أما النافث سما في العسل، والمعطي من طرف اللسان حلاوة ليمرر المر العلقم، فمهما تكلف زخرفة القول ، وتنميق الكلمة، فإن الظلمة قائدة، والوحشة قابضة، وسينشر اللحنُ الغالب القصدَ المطوي، وكما قال تعالى :(وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ). [محمد:30]
وإن المبطلين في حال تواص باللسان الناصح زورا وبهتانا، بداية بكبيرهم الذي خدع الأبوين بلسان المشفق في النصح كذبا وزورا، كما قال الله تعالى عنه: (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [الأعراف :21]، وفرعون الذي جهر بلسان يقطر نصحا زائفا حين قال عن موسى : (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر:26] ، والمشركين الذين قرروا أظلم الظلم في عبادة غير الله بوصف حالهم مع الأصنام في قوله تعالى : ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [الزمر:3]، والمنافقين الذين برروا أقوالهم وأفعالهم في قوله تعالى : (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا),[النساء:62] وهكذا تتعاقب الأجيال والوصية متناقلة ؛ لذا يجب أن تتميز الألسنة الصادقة في نصحها وحبها عن تلك التي تمد جسور الزيف والتزوير بالتلون والشبه، وليس في هذا دعوة إلى الالتفات إلى أسوأ ما يحمل عليه الكلام، ولا أن يرد الحق ولو جاء من عدو؛ كلا، بل يقبل الحق، ويرجع إليه، ويبقى العدو عدوا، على حديث ( صدقك وهو كذوب, ذاك شيطان).[صحيح]
وفي واقعنا المعاصر فإن من أكثر القضايا التي خاضت فيها ألسنة الزيف والمخادعة هي تلك المتعلقة بالمرأة، والتي تريدها كما المرأة الغربية لفظا ومعنى، فكم حشدت من كلمات لها في الأسماع رنة وجمال، كالحرية ,والمساواة ,والحقوق, والاحترام, والثقة ,والتقدير, ورفع الظلم,والتسلط إلى قائمة تطول من تلك التي يتبوأ كل منها في اللسان مقعدا تروح وتغدو متناوبة,
وإن من السبل المطروقة في ذلك اللي والتزييف ما تحكيه تلك الألسنة من مسائل الخلاف المتعلقة بالمرأة، ليس وقوفا مع راجح بدليل، ولكن تقريرا لرأي يراه إلى مبتغاة أقرب وصولا، وأسرع مجاوزة، وأدنى إلى رفع ستور مرخاة.
فمثلا: أنا أتفهم جيدا لمتكلم في مسألة كشف الوجه للمرأة، وهو دائر مع الدليل وأقوال أهل العلم، وإن خالفته وضعفت قوله.
لكني أجدني لافظا صوت متكلم في هذا الخلاف وأحرفه تتراقص على أنغام المطربات ثناء وتمجيدا، فأي معنى يريده من ذاك وهو دون الأضعف قولا بمهاو سحيقة.
وتتزاحم الأمثلة حين نسوق أطرافها، ولكن في الإشارة معنى هو في الدلالة ملء الأفق؛ فهاهنا فرقان لا بد منه في الأخذ والعطاء، والقبول والرد، متأملين قول الله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) .[المنافقون :1]
_____________________________________