ميدان دعوتها   
تحقيق : [ رمضان فرصة للمسلمين لوقفة مع النفس والعودة إلي ينابيع الدين ] ...... ( غزة )
عدد التعليقات : 0
الكاتب:

أ.قنديل :على الشخص العصبي ترك العصبية فقد يسبب الضرر لنفسه والآخرين .

د.شبير : الصوم مدرسة متكاملة لكل المسلمين .

د.الشاعر : حسن علاقة الإنسان بربه مصدر للسعادة والهدوء والاتزان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أجرت التحقيق : المراسلة : أمينة سلامة.

عاد شهر رمضان، شهر الصبر والإيمان، والتوبة والمغفرة والصيام، والصحة النفسية, ورغم هذا نرى بعض مظاهر العصبية تتفشى في مجتمعنا والمجتمعات الأخرى؛ فمن المفترض أن يسود هذا الشهر الهدوء النفسي والسكينة والطمأنينة, ولكن انصياع بعض الناس لشهواتهم وعاداتهم اليومية تجدهم عصبيين في أغلب الأوقات؛ لذا كان لابد من معرفة كيف عالج القرآن الكريم والسنة النبوية العصبية؟ وكيف ينظر كل من علماء النفس والاجتماع إلى ظاهرة العصبية؛ لمعرفة الإجابة على كل هذه النقاط يدعوكم موقع دعوتها لمتابعة التحقيق التالي :-

خير علاج

وحول رأي الداعية الأستاذ صادق قنديل - مشرف الدراسات العليا في قسم الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية في غزة - في انتشار العصبية كظاهرة في شهر رمضان، بيّن أن النبي r وضع العلاج لمثل هذه الحالة, الحديث الأول : [ وإن امرؤ قاتله أو شاتمه ، فليقل إني صائم](صحيح البخاري) , والحديث الثاني : [ لا تغضب ] (متفق عليه) ، وردد r مراراً لا تغضب لا تغضب لما جاء إليه الرجل، وقال أوصني يا رسول الله؛ فعلم النبي r أن عنده العصبية؛ فقال : [لا تغضب ]، وأشار إلى حديث ثالث للنبي r أعطى فيه العلاج، وهو : [ إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس ، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ] . (سنن أبي داوود)

أسباب العصبية

ويرى قنديل أن العصبية موجودة ليست في المجتمع الفلسطيني فحسب؛ وإنما وهي موجودة في كل المجتمعات سواء كانت غربية أو شرقية، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة , وأشار قنديل أن العصبية تزداد عند الامتناع عن الطعام والشراب, ويرى أن هناك فئة تحب الأكل كثيراً، واعتادت على التدخين، إضافة إلى اعتيادها على المزاح، والحديث الذي يكون فيه السب , وترى أن الصيام يقيدهم ؛ لذا نلاحظ عليهم العصبية, مشيراً إلى أن هذا هو السبب الوحيد الذي يؤدي إلى العصبية في شهر رمضان؛ لامتناع الناس عن عادة اعتادوا عليها، وإن كانت في الغالب سيئة، وذكر قنديل أن الإنسان في نهار شهر رمضان يخشى أنه إذا أكل أو شرب أن يبطل الصيام، وإن مزح قد يجرح الصيام، إذا لا يجد ما يفرغ فيه طاقاته، لذا نراه يزداد عصبية.

وقاية الجوارح

وعن أهداف وغايات الصوم، أشار قنديل أن أول الأهداف ما حدده لنا القرآن الكريم، حيث الهدف من الصيام بقول الله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } (البقرة: 183- 184) ؛ فالآية الكريمة وضعت الهدف من إنجاح الصيام ألا وهي التقوى، ويتضح لنا أن الهدف من الصيام الوقاية , منوهاً أن التقوى بمعناه اللغوي : أي الوقاية، متمثلة بوقاية النفس والجوارح والعقل ووقاية البدن, مبيناً أن الصوم يجعل للجوارح وقاية؛ فلا تسعى إلى الحرام، ولا تنظر إلى حرام، ولا تستمع إلى حرام، ولا تبطش في حرام, مضيفاً أن الصوم يحقق لنا هدف الوقاية على مستوى القلب؛ فلا يحقد، ولا يملأ قلبه بالغل أو الضغينة أو الشحناء, كذلك الصوم يحقق لنا الوقاية على مستوى النفس؛ فلا يكون بينهما شحناء أو بغضاء أو تنافر أو عدم مسامحة, مضيفاً أن بالصوم يرفع الإنسان بالعزة , ويكون له مكانة بين أهله , منوهاً قنديل أنه كذلك يعتاد الصبر والاحتساب والتحمل، إضافة إلى تحقيق هدف الوقاية، أن لا نظلم، وأن نشارك الفقراء والمساكين بشعورهم, وأن نعلم أن هناك في الكون أناس لا يشربون ولا يأكلون ويعانون من آفة الجوع، وعدم وصول الشراب والطعام إليهم.

أثرها على النفس والمجتمع

فالهدف من الصوم وسيلة لتقوية الإيمان، ثم تحقيق الوقاية على كل المستويات : الفرد، والنفس، والقلب، وكذلك المجتمع، ونوه قنديل أنه إذا كانت الوسيلة الإيمانية صحيحة؛ فسوف يتحقق الهدف الصحيح , في حين إذا كان إيمان الفرد ظاهري وليس حقيقي فبذلك لا يمكن تحقيق الهدف من الصوم , وبين قنديل أن بعض الناس تعتبر الصوم عادة وهو مجرد ضبط لمدة شهر، وباقي السنة تحرروا من قضية العبادة , وأكد قنديل في ذات السياق أن من أجاد في وسيلة الإيمان يحقق الهدف من الصوم على مدار حياته كله .

جبلية أو مكتسبة

وحول الابتعاد عن العصبية والتخلص منها بين قنديل أن العصبية لها علاقة في قضية تركيبة الإنسان, وأشار إلى أن العلماء قالوا أن الأخلاق بنيت على أمرين إما جبلية أو مكتسبة , ويشير قنديل إلى أن الأخلاق العصبية أحياناً يكتسبها الإنسان، وأحيانا يجبل عليها منذ صغره، ودلل على ذلك من السنة بقوله r لما دخل عليه أشج ابن عبد قيس كما في سنن أبي داوود، وقال له النبي r : [ إنك رجل يحبك الله ] فقال : لماذا يا رسول الله ؟! قال : [ إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة ] أي بمعنى أنه لا يوجد عنده عصبية؛ بل عنده حكمة ويضع الأمور في نصابها ومكانها, من هذا المنطلق أخبرنا بأن بعض الناس قد تكون العصبية متأصلة فيهم منذ الصغر، وأرجع ذلك لأن الإنسان قد يكون عاش في مجتمع كله مشاكل أو توتر، أو إنسان كان منذ صغره مستفز من أي شيء .

تهذيب النفس

وأكد قنديل أن التخلص من هذه العصبية يكون بتهذيب النفس أولاً، وزيادة الثقة بالله سبحانه وتعالى، وأن الأمور كلها تسير بمقادير الله وتوفيق الله, وأن هناك الكثير من الناس لا يوجد لديهم ثقة بالله, مبيناً أن على الإنسان أن يكون واثقاً بالله ، بأن رزقه لن يأخذه أحد، وأن مكانه لن يأخذه أحد, وأن يكون على يقين أن الله حفظ له هذه الحقوق؛ فلا داعي إلى العصبية.

وقال قنديل أن الإنسان الذي ليس لديه ثقة يكون مستفز من أي شيء، وليس عنده ثقة بنفسه؛ لذا نراه دائماً في عصبيه، ويميل إلى الغضب، ثم تكون جمرة بين العينين ينفخ فيها الشيطان, ودعا قنديل المرء أن يسعى ليتخلص من هذه العادة الذميمة, وذلك باتباع أمر الرسول r، ودعا الناس العصبيين أن يحاولوا تغيير هذه العادة قدر الاستطاعة, وليس من المفضل أن نتركها؛ فتزداد؛ لأنها إن تطورت معه فستتسبب بضرر لنفسه والآخرين.

الإكثار من الاستغفار

ودعا هؤلاء الفئة إلى الإكثار من الاستغفار لقوله r : [ من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ومن كل هم فرجا ورزقه من حيث لا يحتسب ]. (سنن أبي داوود)

مؤكداً أن العصبية تعد ضيق وهم، وإذا استغفر الإنسان استطاع أن يتخلص منها, كما نصح قنديل الأشخاص العصبين أن يصاحبوا من هم أقل منهم عصبية وأكثر هدوءاً، حتى يتعود ويتأثر بهم ويبتعد عن كل الأسباب التي تسبب العصبية.

وفي الإطار ذاته أشار قنديل إلى مجموعة من الأدعية التي تساعد في التخلص من العصبية، منها: الاستغفار , كما نصح الناس بدعاء لمن أراد أن يطلب حاجة من الله سبحانه وتعالى وبإذن الله سوف يستجيب له الحق تعالى، وتعد هذه الأدعية صحيحة ومأثورة عن الرسول r :

أولاً : اللهم إن مغفرتك أوسع لي من ذنوبي، وإن رحمتك أرجى عندي من عملي.

ثانياً : اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.

ثالثاً: اللهم يا سامع الصوت، ويا سابق الفوت، ويا كاسي العظام لحماً بعد الموت، أسألك أن تفرج كربي.

رابعاً: يا ودود يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد، اللهم إني أسألك بعزتك التي لا ترام، وبملكك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك، أن تغفر لي ذنبي وأن تفرج عني ما أنا فيه.

ضعيف الإيمان

ومن وجهة نظر نفسية بين د. وليد شبير - أستاذ مساعد في كلية الآداب بقسم الخدمة الاجتماعية في الجامعة الإسلامية - أن التوتر العصبي في شهر رمضان لا يصيب إلا من هو ضعيف الإيمان, وأكد أن شهر رمضان شهر الخير والبركة، مؤكداً أنه يعد شهر الصفاء الذهني والروحي , وأن العصبية لا تأتي إلا لمن ليس لديه وازع ديني يردعه عن العصبية, وأشار إلى استغلال شهر رمضان بقراءة القرآن والتزود بالإيمان, ودعا الجميع إلى استقباله بكل فرح وسرور.

الصفاء الذهني

وبين شبير أننا قد نرى العصبية عند المرأة في البيت، وذلك لحرصها على إعداد الطعام لأسرتها في الموعد المحدد, قائلاً : هذا الشهر شهر العبادة، والصفاء الذهني والروحي، وذلك من خلال المداومة على تلاوة القرآن الكريم, مؤكداً أن شهر رمضان يعلّم الإنسان ضبط النفس من خلال الالتزام بوقت السحور, ومواعيد الإفطار؛ ففيه نظام والتزام يبني شخصية الإنسان,ودعا ضعيفي الإيمان أن يتزودوا بقراءة القرآن؛ لأن ذلك يبعدهم عن التوترات العصبية.

شهر التواصل والمحبة

كما رفض د. شبير أن تكون العصبية ظاهرة في الشهر الفضيل، مبيناً أنه في ذلك الشهر يجب على الإنسان أن يشعر بالطمأنينة؛ لأن فيه ائتلاف للخير، وصلة للرحم، والتكافل الاجتماعي، إضافة إلى تواصل الأغنياء مع الفقراء؛ ففيه تظهر الصدقات؛ فهو شهر الخير والبركة والرحمة والمحبة.

وفي الإطار ذاته بين شبير أن شهر رمضان شهر تلاوة القرآن, متسائلاً: لماذا نستقبله بالعصبية؟ إنما علينا استقباله بالود والمحبة, كما نوه للآباء أن يعودوا الأطفال على صوم هذا الشهر على قدر استطاعتهم، لما فيه من أسس للتربية السليمة والصحيحة لنشأة الجيل القادم .

وخلال حديثه أكد أن هذا الشهر شهر المساواة، وتظهر من خلال جلوس الجميع على مائدة الإفطار، وما ينتج عن ذلك من محبة ومودة وتواصل، إضافة إلى وجود صلاة التراويح في الشهر الفضيل؛ فهي تزيد التواصل والترابط بين الرجال في المسجد, كذلك ذهاب النساء إلى صلاة التراويح في المسجد تقوي الصِلات بينهم، وتدفع بالأحقاد بعيداً, وتنشر المحبة والتواصل بين النساء، وتقوّي الصداقة والتعاون بينهن.

مدرسة متكاملة

وفي ذات السياق أوضح أن علينا أن نراقب جميعاً كيف يستقبل الناس الشهر الفضيل ؟

مبيناً أننا سنجد أن الجميع يستقبله بالفرح والبهجة حتى الأطفال يشعرون به, وتراهم يستقبلونه ببهجة وسعادة، إضافة إلى انتشار مظاهر استقبال الجميع لهذا الشهر واستعدادهم له.

ويرى شبير أنه لا داعي للعصبية في رمضان؛ فعلى الإنسان أن يقوي إيمانه في هذا الشهر بالصوم وتلاوة القرآن، وصلة الرحم، والإحسان إلى الفقراء، ونشر المحبة والتراحم بين الناس, وبين أنه ربما تزداد العصبية عند بعض الناس لتركهم عاداتهم الروتينية اليومية, موضحاً أنه ربما يؤثر الصوم سلباً على فئة المدخنين، ويجعل منهم عصبيون؛ لذا دعا هؤلاء الأشخاص إلى الاستفادة من هذه الأوقات الإيمانية؛ لتكون حافزاً للإقلاع عن التدخين؛ لأن الصوم مدرسة متكاملة لكل المسلمين.

الهدوء النفسي

من جانبه بين د. درداح حسن الشاعر - أستاذ علم النفس المساعد بجامعة الأقصى في قطاع غزة- أن حقيقة الأمر أن رمضان هو شهر العبادة، وشهر الهدوء النفسي والعصبي، وأكد لنا أنه إذا فهمت العبادة فهماً حقيقياً؛ فلابد أن تؤكد الغاية من الصوم التي جعلت من أجلها هذه العبادة, وبين أن هذه العبادة جُعلت لإحداث جانب من التوازن النفسي عند الإنسان؛ فهي تقوي الضمير، وتزيد من قدرته على تحمل الشدائد والمصاعب, منوهاً أن الصوم عبادة رائعة؛ لأن أجرها كبير عند الله عز وجل.

ضبط الانفعالات

وأوضح الشاعر أنه يمكن النظر إلى الإنسان من الزاويتين المادية الجسدية، والزاوية الروحانية النفسية؛ فالزاوية الجسدية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالزاوية النفسية، وبهذا نعني أنه إذا حدث ضرر إلى حالة الإنسان الجسمية ينعكس ذلك على حالته النفسية.

وعرف الشاعر الصوم أنه: الامتناع عن الصوم والشراب من الفجر الصادق حتى مغيب الشمس, مبيناً أن العادات الجسمية والفسيولوجية التي اعتاد عليها الإنسان خلال إحدى عشر شهراً, وهي تناول الطعام والشراب باعتماد فسيولوجي على هذه الأطعمة؛ فجسم الإنسان يتقوى بفعل هذه الأطعمة، وحينما يمتنع الإنسان عنها يصبح هناك رد فعل نفسي, مشيراً أننا لو نظرنا إلى موضوع الصيام باعتباره أمرا نفسياً جسدياً؛ فسنشعر حينها بالتوتر والضيق.

أما إذا نظرنا إلى الصوم على أنه تقوية للإرادة، وشكل من أشكال الهدوء والاتزان؛ لأن فيه عبادة لقوله تعالى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللًّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } (الرعد :28) ، وبالتالي الحالة النفسية للإنسان هي تابعة للحالة الجسدية بشكل عام, مؤكداً في الوقت ذاته أن الغاية من الصوم هو ضبط الانفعالات والاتزان، وليس الانفجار والحدة العصبية، وهذا عكس الغاية من الصوم.

تجديد للحياة

وأوضح الشاعر أن الغاية من الصوم هي الوقار، والسكينة، والطمأنينة، والرضا، والشعور بالاستكانة، مبيناً خلال حديثه أن من يتصرف عكس ذلك يكون إنسان تابع لشهواته ورغباته, ويكون جسده هو الذي يقهره، وليست نفسه التي توجهه، وبالتالي يتصرف من المنطلق المادي .

وإذا نظرنا للعادات نرى أنه من الشعوب من تأكل وجبة ومنها ثلاثة وجبات، ومنها التي تأكل حتى تشبع، ومنها تأكل ولا تشبع، وبالتالي القضية هي قضية عادة، وكما اعتدنا على العادة السيئة؛ فالأصل أن نعتاد على العادة الحسنة؛ فإذا كانت هناك مجموعة عادات ألفناها، واعتدنا عليها تظهر هنا عظمة الصوم، وهو لا يجعل لحياة الإنسان رتابة معينة.

وأشار إلى أنه ربما يعتاد الإنسان في حياته على الرتابة؛ فيأتي الصوم؛ فيجدد حياة الإنسان ويجدد طاقته, ولأن الصوم هو طاقة روحية وليس قوة بدنية؛ لذا نجد الكثير من المرضى والكثير من الشيوخ ممن رفع عنهم الصوم في رمضان إلا أننا نراهم يصومون ويقامون هذا الضعف البدني والجسدي، وذلك لأنهم يتمتعون بقوة روحية كبيرة, ونرى في ذات الوقت أناس لديهم القوة ولا يستطيعون الصوم، وما ذلك إلا لأنهم فقدوا القوة الروحية، وهي إرادة الصوم والعبادة.

وفي السياق ذاته أكد الشاعر أنه يمكن أن نعزو العصبية في رمضان إلى أمرين : إما انقطاع العادة المألوفة عند الإنسان، ورد الفعل الجسمي والعصبي، وثانياً الحالة الانفعالية، ومردها إلى ضعف إيمان الإنسان، وضعف الحياة الروحية في نفسه، وذكر أنه قد تأتي العصبية كرد فعل طبيعي على ضعف الإرادة، وعجز الإنسان عن الصبر والتجلد لهذا الأمر العبادي، وهذه هي وجهة نظر علم النفس في تفسير العصبية الزائدة .

ووجه الشاعر رسالة إلى الأشخاص العصبيين دعاهم أن يكونوا على ذكر متواصل، وعلى طاعة مع الله عز وجل؛ لأن حسن علاقة الإنسان بربه مصدر للسعادة والهدوء والاتزان؛ فكلما كان الإنسان أقرب إلى الله عز وجل كلما كانت حالته النفسية أفضل, لذلك يقول الحكماء : من آمن بالقدر أمن الكدر، ويقول الحق في ذكر الحكيم : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } (طه :124-126) ويقصد بالمعيشة الضنك القلق والتوتر والعصبية، مؤكداً أنه ما دام الإنسان في معية الله يتقرب إليه في العبادات والطاعات؛ فالله سيعطيه السكينة والطمأنينة والرضا، وكلما كان الإنسان أكثر قرباً من الله؛ كلما كان أكثر سعادة؛ وكلما كان أكثر بعداً عن الله كان أكثر شقاوة وأشد عصبية .

وذكر الشاعر أن في سنته r خير دليل حينما ذكر أن الرسول r كان يقول إذا حدثه أمر أو شعر بنوع من الضيق كان يقول لبلال أرحنا بها؛ فتتجدد هذه الصلة بربه، ويشعر الإنسان بالسكينة والطمأنينة والرضا، وحينما يبتعد عن ربه تستهويه الشياطين، وتتكالب عليه الأفكار الفاسدة التي تخلق حالة من التوتر والعصبية .

وبين الشاعر أن علم النفس ينظر للشاب الذي لا يصوم أنه شاذ وغريب، كما بين أن المجتمع يدعم الصائمين، ويقدرهم، وكل إنسان في حاجة ماسة إلى رضا الجماعة عنه، وحينما يكون قريباً من الله يرضى الله عنه، ويرضى عنه رفاقه , ويرضى عنه مجتمعه، وهذه المصادر للرضا هي مصدر الطمأنينة.

وفي معرض رده على سؤالنا حول تغير نفسيه الإنسان بعد الإفطار، أشار الشاعر إلى أننا نرد شعور الإنسان بالراحة بعد الإفطار إلى نظرة الإنسان للحياة؛ فأحياناً تكون نظرة مادية؛ لذا نجده عبداً لشهواته؛ ولأن الإنسان يحتاج إلى الإشباع، وبقولنا هنا لا نقول أن الصوم يحرم الإنسان حرمان كاملاً من الطعام، وإنما هي فترة محدودة، ثم ينطلق إلى الطعام والشراب؛ فالإنسان عندما يقاوم شهواته ورغباته يفوز بالصوم, ونجده يشعر بالرضا والطمأنينة، ولكن الإنسان إذا عاش لدنياه ولجسده سيشعر بالعصبية، وعند إشباعه حاجته سيشعر بالهدوء.

ودعا الجميع ألا يحرفوا العبادة عن هدفها؛ فالهدف الأساسي من الصوم هو التجلد، والتقوية، والإرادة، وتنفيذ أمر الله، تقرباً إلى الله عز وجل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تاريخ المادة: 13/9/1431.

تاريخ اليوم

14 / 3 / 1433 هـ

بيع المستلزمات النسائية

مشاهدة النتائج

منتديات دعوتها تزدان بكم

منتديات بيت التعليم