فقه الاحتساب   
مراتب إنكار المنكر[الإنكار باللسان، والقلب]
عدد التعليقات : 0
الكاتب:

بقلم / د. الجوهرة الطريفي.

 

المرتبة الثانية:الإنكار باللسان :-

وعد بعض العلماء درجات الإنكار,ومراتبه خمس: -

الخاص باللسان منها ثلاث درجات : -

1/ التعريف.

2/ الوعظ بالكلام اللطيف.

3/ السب ,والتعنيف.

 

أولا: التعريف: -

وذلك إذا أقدمت المحتسب عليها على فعل منكر بسبب جهلها فهنا يجب تعريفها بلطف ورفق؛ بل إن استطاع المحتسب أو المحتسبة تعليمها دون أن يوجه إليها الكلام مباشرة فإن سمعت الكلام لغيرها فهمت ورجعت فذلك أولى؛ فيخاطب غيرها حتى لايشق عليها ولا يؤذيها؛ لأن في ضمن التعريف نسبة إلى الجهل والتجهيل إيذاء , وقل أن يرضى إنسان بأن ينسب إلى الجهل بالأمور لاسيما بالشرع .

وقد كان هذا فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : (صنع النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال : مابال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فو الله إني لأعلمهم بالله وأشدهم خشية )(1), فهنا النبي صلى الله عليه وسلم احتسب عليهم ولكن لم يميز الذين صدر منهم الفعل ستراً عليهم , فحصل منه الرفق باحتسابه من حيث الحيثية لابترك الاحتساب أصلاً .(2)

ثانياً:الوعظ بالكلام اللطيف :-

إذا أقدمت المحتسب عليها على فعل المنكر, وهي عالمة بكونه منكراً , لكن قد لاتعلم درجة حرمته ولاما جاء فيه من الوعيد والتهديد فهنا ينبغي أن توعظ وتنصح بلطف وتخوف بالأخبار الواردة في تلك المعصية , ويدرج معها تدريجياً بشفقه, ولطف من غير تعنيف ,ولا غضب وازدراء ,ولكن ينظر إليها بعين الرحمة , ويتنبه المحتسب, والمحتسبة أن يكون حديثهما معها بروح الناصح الشفيق المخلص لها ويبتعدا عن الاستعلاء عليها واحتقارها بأن يظهرا عزة نفسيهما بالعلم ,والتنزه عن مثل هذه المعصية ,وإذلال صاحبة المعصية بالنسبة لخسة الجهل ورذالة المعصية .

وكذلك ينبغي أن يكون الوعظ سراً فيما بينهما ,وبينها ؛فإن الله سبحانه وتعالى من كرمه وستره على عبده الخاطئ أن يستر ذنوبه إذا حاسبه فعن ابن عمرو رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ,ويستره فيقول :أتعرف ذنب كذا فيقول نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا اغفرها لك اليوم ) . (3)

وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله في آداب النصح :-

 

تعمدني بنصحك في إنفرادي

وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع

من التوبيخ لا أرضى استماعه

وإن خالفتني وعصيت أمري

فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

 

ثالثاَ: السب, والتعنيف :-

وهذه الدرجة تكون إذا لم تستجب المحتسب عليها للوعظ , والنصح, والتذكير,وأصرت على فعل المعصية , وعلم منها  الاستهزاء وقلة المبالاة والتصريح بعد الاستجابة , فهنا يغلظ لها في الكلام ويخشن عليها, ولكن اشترط العلماء أن يكون ذلك بغير فحش.

فقال الإمام الغزالي : ( ولست أعني بالسب الفحش؛ بل أن يقول : ياجاهل , يا أحمق ألا تخاف الله ,وما يجري هذا المجرى ).

وقال في تنبيه الغافلين : (فإن لم يرجع بالوعظ , والنصح ,والتذكير , وعلم منه الإصرار على المعصية, والاستهزاء ,وقلة المبالاة , والتصريح بعدم الرجوع , فيغلظ له الكلام, ويخشن عليه ويسبه من غير فحش ,مثل أن يقول له : يافاسق ,ياجاهل , ياأحمق , ونحو هذا الكلام ,ويراعي الصدق في ذلك فإن ,مثل هذا الكلام ليس عليه فيه شيء إذ هو صدق في الحقيقة ,وليحذر أن يسترسل به الغضب إلى الخروج إلى الكلام بما لايجوز له مما هو كذب في نفس الأمر , أو باطل أو فاحش ونحو هذا ).

وقال في الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : (السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن , وذلك يعدل إليه عند العجز عن المنع باللطف, وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ ,والنصح ذلك مثل قول إبراهيم صلوات الله عليه :  }أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ{.(4)

ومعنى القول الخشن أن تقول :-

(يا فاسق ,يا أحمق , يا جاهل , ألا تخاف الله ؟ ألا تستحي من الله ؟ أو في معنى ذلك )؛ فهذه الدرجات الثلاث ينبغي مراعاتها عند الإنكار المباشر بالقول .

المرتبة الثالثة : الإنكار بالقلب :-

وقد وضح سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز-  رحمه الله - كيفية النهي عن المنكر بالقلب فقال: ( هو أن يكره فعل المنكر , ولا يجلس مع أهله ؛ لأن جلوسه معهم بغير إنكار يشبه فعل بني إسرائيل الذي لعنهم الله عليه في قوله تعالى : }لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿78 كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ {(5), وقال شيخ الإسلام ابن تيميه : ( ولا يجوز لأحد أن يحضر مجالس المنكر باختياره لغير ضرورة) ,وقال أيضا: ( ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ,ولا يمكنه الإنكار , إلا لموجب شرعي ,مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لابد فيه من حضوره أو يكون مكرهاَ ؛فأما حضوره لمجرد الفرجة , وإحضار امرأته تشاهد ذلك؛ فهذا مما يقدح في عدالته ومروءته إذا أصر عليه ).

قال فيه تنبيه الغافلين : ( من علم أن بموضع من بلده منكراَ لا يرجع إليه في إنكاره لزمه أن لا يحضر ذلك الموضع ويعتزل في بيته حتى لا يشاهده , ولا يخرج إلا لحاجة مهمة أو واجب؛لأن عجزه عن الإنكار ليس عذراً في مشاهدته هذا المنكر من غير ضرورة ).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ورؤية أهل المعاصي من غير إنكار فهم عصاة الله في هذا السفر في سؤال وجه إليه لمن رأى المنكرات ,وهو مسافر .

_____________________________

 

 

(1)أخرجه البخاري في كتاب الأدب ومسلم في كتاب الفضائل .

(2)فتح الباري ص 530.

(3)أخرجه البخاري في كتاب المظالم .

(4)الأنبياء :67.

(5)المائدة : 79.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 


تاريخ المادة: 8/8/1431.

تاريخ اليوم

14 / 3 / 1433 هـ

بيع المستلزمات النسائية

مشاهدة النتائج

منتديات دعوتها تزدان بكم

منتديات بيت التعليم