ضيف الحوار: الدكتور/خالد بن سعود الحليبي.
أجرت الحوار: المحررة / بثينة العفيصان .
** ** **
بعث الله رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلامه ليتمم مكارم الأخلاق,وذلك لأهمية الأخلاق في حياة المسلم,والأثر العظيم لهذه الأخلاق يظهر بصورة جلية في الداعية المخلص ,وكل ما كانت أخلاق الداعية أفضل وأكمل, يكون تأثيره في قلوب الناس أعظم,,في هذا الموضوع سيكون حوار مع فضيلة الدكتور/ خالد بن سعود الحليبي .
_____________________________________
س1/ في بداية الرحلة نرجو تعريف القارئ بالدكتور خالد الحليبي؟
واحد ممن شغفوا بحب الله تعالى، فوجدوا فيه الظلال الورافة والنعيم المقيم، تقعد به ذنوبه مرة، ويطير به حبه مرة، وهو بين الحالين يرجو ويخاف، والله كريم منان.
حٌبب إلى خالد بن سعود الحليبي عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام، السعي في قضايا الأسرة، فلبى ذلك الوله العجيب بتشرفه بالعمل في (مراكز التنمية الأسرية في المنطقة الشرقية - والجمعية الخيرية لتيسير الزواج - ولجنة إصلاح ذات البين العليا - ولجنة التكافل الأسري - وموقع المستشار) فشغل ثوانيه بهمومها، فإذا بها تزهر وتورق، ليسعد بها دنيا، ويرجو الله أن يسعد بها آخرة.
س2/ تختلف محبة الناس للدعاة إلى الله, فنجد أن بعض الدعاة محبتهم لدى الخلق أكثر من غيرهم من الدعاة,فما السبب برأيكم؟
ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم, وإذا أحب الله عبدا أمر جبريل بحبه، وأمر جبريل الملائكة بحبه، ثم يوضع له القبول في الأرض.
ولعل لذلك أسبابا نتوخاها ونستشفها، من أبرزها خبيئة لم يعلم بها سوى الله جل جلاله، أو تواضع سلب به الداعية الألباب، أو حضور قوي في اللحظة التي تشرق فيها القلوب بنور الله تعالى أو؛لأنهم يلبون حاجات الناس، ويسعون في مصالحهم، والنفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.
س3/ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ) أخرجه أبو داود والترمذي , فإذا رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلامه نبه على حسن الخلق للمؤمنين عامة,فالأولى بذلك الداعية,نريد تعليقا على هذا؟
هذا هو الأصل، وهو المتوقع من دعاتنا، ولكن قد تغلب طبيعة الأرض على طبع النفس، فتتجهم تجهم الصخور، وتتيبس تيبس الصحراء، وقد تكون التربية جافة جافية، فتتشكل نفس الفتى قبل أن يدلف إلى روضات الدعوة، ثم لا يسلم نفسه لحنوها، وأنفاسها، فيظل قاسيا حتى مع نفسه. اتصل ابني بأحد العلماء الأجلاء يستفتيه، فأجابه بجفوة، ثم أغلق السماعة فجأة دون توديع، فمسح ابني رقمه من جواله، وأخبرني بذلك برماً من هذه الطريقة غير اللائقة، فكان علي أن أمسح غبار المكالمة؛ لأستعيد في ذهن ولدي صورة العالم الخلوق!!
س4/ نلاحظ أن تركيز العامة على الدعاة شديد؛فالأنظار إليهم محدقة, والنقد عليهم أشد ,فكيف للداعية تقويم الزلل وتطبيق ما يدعو له على حاله قبل مقاله؟
هذا يعطيهم قدراً عظيما بين الناس لو فقهوه؛ فالثوب النقي يتسخ باللمسات، وقضية الازدواجية التي يعيشها بعض المحسوبين على الدعوة، والانفصام الخطير في حياتهم بين المعتقد والسلوك، يكون ويوجد حين يتضخم صنم الذات، ويؤله الهوى, وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} (43) سورة الفرقان,وتبيت الهوية الملتصقة بالشخص بعيدة عن حقيقة تعامله مع الحق سبحانه، ومع المنهج الذي يُنسب إليه، ومع الذات التي اصطبغت به ظاهرا، ومع الأسرة التي تنكشف بينها دخائل النفس؛ إذ لا حواجز، ولا مسوغات، ولا خوف.
والإشكالية الكبرى حين يقوم العامة بتنصيب صاحب هذه الشخصية أو تلك قدوة لهم، لكونه يتزين بمظهر المستقيمين أو الدعاة، أو يحتل منصباً شرعياً، أو تخرج من كلية شرعية، أو يعمل في ميدان خيري، وغيره من الأسباب, ثم يبنون عليها صورة الإسلام (العصري) الذي ينبغي أن تسود، ويحتجون بتصرفاته لتفلتهم من أحكام الشريعة، فضلا عما قد يصدر عنه من فتاوى ورؤى ومواقف بعيدة عن الاجتهاد الأصيل، أو حتى الجدارة العلمية أصلا.
وهذه الصورة ليست غائبة عن النصوص الشرعية الثابتة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم : ((لأعلمن أقواما من أمتي ، يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء ، فيجعلها الله هباء منثورا ، أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم ، و يأخذون من الليل كما تأخذون ، و لكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)).حديث صحيح
فالمظهرية التي يبدون بها تهيئ لهم حماية كافية، ليمارسوا السوء في السر، وربما قدموا بها:{يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} (9) سورة الطارق,وتتكشف الحقائق، فيكون كمن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أول الناس يقضى يوم القيامة عليه، رجل استشهد. فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت, ولكنك قاتلت؛ لأن يقال جريء. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار, ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن. فأتي به. فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم, وقرأت القرآن ليقال هو قارئ. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار, ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله. فأتى به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت, ولكنك فعلت ليقال هو جواد. فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه. ثم ألقي في النار)). رواه مسلم
وهذه التشوهات والدمامل في وجه التدين الخادع موجودة في كل زمان ومكان، حتى في زمن النبوة، والبحث فيها مريع، وقد يكون مرفوضاً، وهو ما جعل عدداً من الظواهر تتفاقم في هذا الوسط الرائع الذي يمثل رأس الهرم المجتمعي وقدوته، وتتسع تلك الدوائر الصغيرة، وقد تترك آثاراً ربما صعب تداركها؛ بل قد تصبح ـ مع مر الزمن ـ هي الأصل، ويتحول الأصل إلى شذوذ، وهنا تقع الكارثة.
وإن الدعوة الإسلامية ـ بعيدا عن كل أنماطها المعاصرة- جوهر نقي لا يقبل حتى آثار اللمسات؛لأنها لا تمثل أشخاص أو هيئات حامليها؛ بل هي عبادة يمارسها الفرد ويمارسها المجموع، تمارسها المؤسسة الرسمية بروح التطوع، وتمارسها المؤسسة التطوعية بنظام رسمي، والعدل هو أساسها، والإخلاص هو سر نجاحها.
إن الخوف على الدعوة ذاتها لا مسوغ له؛ لأنها محفوظة من الله، ورسالة نزلت لتهيمن، ((ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وأهله وذلا يذل الله به الكفر)) رجاله رجال الصحيح، لكن الخوف هو على الدعاة؛ لأن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. (54) سورة المائدة
س5/ ما هي أهم الأخلاق التي يجب أن يتحلى بها الداعية؟
الإخلاص، وإليه أشرت في السياق السابق، ثم العلم والبصيرة,قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي } (108) سورة يوسف، والعدالة مع نفسه، فحتى يكون ناجحا في دعوته، فيجب أن يكون ناجحا في بيته، ناجحا في عمله، ناجحا في دنياه، ناجحا في تحقيق أهدافه.
س6/ الضغوط التي يعاني منها الداعية إلى الله,وانشغال جُل وقته, يحدو به في بعض الأحيان إلى النسيان أو التأخر في إتمام بعض وعوده, سواء لإلقاء المحاضرات أو القيام ببعض الأعمال الدعوية,فكيف للداعية التنسيق بين كثرة مشاغله وعدم الإخلاف بما وعد به؟
الداعية إذا وفقه الله للقبول، تزدحم به الأعمال، وتتكاثر من حوله الطلبات شتى؛ فمرة مقالة، ومرة خطبة، ومرة محاضرة، ومرة تحقيق صحفي، ومرة مشاركة في مناسبة، ومرة قصيدة في احتفال، وجاءت الفضائيات، لتأخذ بقيته الباقية، فإذا لم يرتب وقته، ويقل: (لا) فإنه حياته سيديرها الآخرون، وهناك لن ينتج ولن يتقوى، وسوف ينتهي فجأة، ويظل يردد ما قاله قبل سنين، وسيكتشف الناس ضعفه، ويدعوه وشأنه.
حقا.. إنه يضع نفسه في دائرة ضيقة حين يعد بشئ وهو لا يتوقع الوفاء به، ولكن أظن أن من انشغل بهم الدعوة، فمن حقه أن يُعذر، ولو لم يعتذر، وقد قلت يوما ونشرتها: "لا يزال وقت الداعية وراحته مبذولين للناس حتى إذا انشغل عن بعضهم ببعضهم الآخر قالوا: لماذا تهملنا، ولمن تتركنا، والله المستعان".
س7/ قال تعالى :{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(159) سورة آل عمران ,آية عظيمة فيها من الدروس والعبر الكثير,فهل لنا ببعض الفوائد من هذه الآية؟
الداعية ليس صاحب مال يخاف أن ينضب لو أنه بذله، ولا صاحب محمية يخاف اقتراب الناس منها، ولكنه صاحب علم وعمل يتمنى أن يرتع فيهما الناس كل الناس، فكلما ازداد عدد المهتدين أو المستفيدين كثر أجره، وعز جاهه عند الرب جل وعز.
ولا شك بأن أخلاقه تجذب الناس إليه أو تنفرهم منه، وإذا كان للمسلم أن يأخذ حقه ممن ظلمه، فإن الداعية صاحب الخيار الآخر، وهو العفو ولين الجانب، وإذا كان التفرد بالرأي ديدن الطغاة والمتجبرين، فإن خلق المسلم هو التشاور والكلام الطيب الحسن، وإذا كان شأن الضعفاء التردد، فإن الداعية صاحب عزيمة رائدة، وهمة عالية، ولكنه لا يتكل على نفسه أو على أحد من الناس، وإنما هو يتوكل على الذي يملك كل شيء ربنا سبحانه جل جلاله,وكل ذلك يقربه من الناس، ويقرب الناس منه، وهنا يقع المأمول، وهو هداية الخلق بإذن ربهم.
س8/ الاختلاف بين البشر سنة كونية,فكيف للداعية أن يتعامل مع المخالفين لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ,ويدعوهم إلى الله بسلوكه؟
نحن في زمن كثر فيه مخالفوا الدعاة؛ بل والمتربصون بهم، فأما هم فإنهم يرجون الدنيا، ويرون وجود الدعاة خطراً عليهم, ولذلك يحاربونهم، ويتربصون بهم الدوائر، ولن يذروا فرصة لإسقاط أحدهم إلا سيهتبلونها زرافات ووحدانا، ولا يخافون في الباطل لومة لائم.
وأما الدعاة فيشفقون عليهم، ويتمنون لهم الهداية والصلاح، ولذلك فإنهم يعرضون ما لديهم من الحق عرضا رفيقا، ليس فيه شطط ولا ظلم لأحد.
س9/ أحد الدعاة يلقي محاضرة,وفي منتصف المحاضرة تهجم عليه أحد الحضور بألفاظ نابية لأي سبب كان,فما التصرف الأمثل في مثل هذا الموقف؟
إذا رد الداعية بالبجاحة نفسها سقط من أعين مدعويه، وربما تعاطف الناس مع المعتدي، والموقف الصحيح ـ أجارنا الله من مثله ـ أن يدعو للمتحدث بخير، ويشكره على مداخلته، ويطلب منه أن يتحدث معه بعد المحاضرة، هذا إذا لم يتهمه بما قد يصدقه الناس، فإذا فعل دافع عن نفسه برفق وحجة بالغة، وإن علم من السائل أنه ربما زاد تبجحه، قال الداعية: " إنما أضع ما قلت عني بين يدي الله تعالى، وهو السميع البصير العليم الخبير بي وبك، والله المستعان" ويتجنب الأيمان ورفع الصوت، فإنما يفعل ذلك ضعيف الحجة أو الكذاب.
س10/ الأخلاق بين الطبع والتطبع,كيف للداعية تغير طبع لديه بطبع أفضل منه؟
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم), وهو حديث صحيح يدل دلالة واضحة على إمكانية التغيير نحو الأفضل، ويحتاج ذلك إلى عزيمة وصدق، ودعاء حار في أوقات الإجابة، وخطة واضحة واقعية التطبيق، ومتابعة مكتوبة لمدة لا تنقص عن 21 يوما، يتم خلالها تكرار الفعل باستمرار، والإصرار عليه، ومراقبة الذات، أو اتخاذ رقيب عليه من أهله يعينه، مستعينا في ذلك كله بالله تعالى.
س11/ في قصص إسلام البعض ,تجد أن سبب إسلامهم حسن خلق بعض المسلمين,فهل لكم ذكر ما يحضركم من إحدى هذه القصص؟
فجر يوم من الأيام التفت على المصلين لأقول لهم: استووا؛ فذهلت حينما رأيت عمال أحد الأثرياء الأربعة مصطفين ورائي وكانوا في الليل كفارا، فسألت قبل أن أكبر ماذا حدث؟ فابتسم الثري, وقال: لقد أسلموا جميعا، وكانوا من المقربين منه لشدة حرصهم على الجودة والإتقان، فكان يتعامل معهم بود واحترام، ويرجو إسلامهم، حتى أقر الله عينه إحدى الليالي بإسلامهم جميعا بعرض ميسر من أحد الدعاة.
س12/ النشء عماد هذه الأمة ,ومستقبلها ؛ فكيف للداعية دعوة هذه الفئة ؟
1ـ أن يتداخل معها في أماكن تواجدها، في الملاعب، في مواقع التفحيط، على صفحات الفيس بوك، على الماسنجر، على المحادثات الفورية(chatting)، في المدارس، في الجامعات.
2ـ أن يدرس مرحلة المراهقة جيدا؛ ليجيد التعامل معها.
3ـ أن يقدم لها ما تريد هي أولا، لا ما يريد هو فقط.
4ـ أن يقرب المعلومة، ويملأ شفتيه بالابتسامات.
س13/ كل من نقص خلقه نقص دينه,فما الحكمة من ربط الإسلام بين الدين والخلق؟
(إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق) هكذا قال حبيبنا، و(الدين المعاملة) فبدون أخلاق قد يضيع دين العبد، فكيف بالداعية؟!
كلمة ختامية يود شخصكم الكريم أن يختم بها الحوار.
شكرا لكم على هذه الدعوة الكريمة، وبارك الله في هذا الموقع المتميز.
___________________________