مهارات فن الخطاب الدعوي
أيتها الداعية : كيف يمكن أن تلقي كلمة؟
أجرت التحقيق : المراسلة : أمينة سلامة .
لا يخفى على أحد أن للإلقاء أهمية كبيرة في عمل الداعية , في زمن أصبح للكلمة أثر كبير على حياة الفرد, وتعد الكلمة من أنجح الوسائل لكسب قلوب ، وعقول الآخرين ، وجسر التواصل الذي من خلاله يستطيع الداعية أن يستخدمه لإيصال معلوماته لمن يريد مستعيناً بجميع الوسائل المساعدة على دعم كلمته وإنجاح مشروعه الدعوي .
وقدوتنا في ذلك الأمر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم فقد اهتم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بها اهتماماً عظيماً، وهذا دليل على عظم هذا الدين الذي يحرص على كل ما من شأنه توثيق العلاقات بين البشر ، فنجده عليه الصلاة والسلام يقول:{ اتقوا النار ولو بشق تمرة ، فمن لم يجد شق تمرة ، فبكلمة طيبة } رواه البخاري في الجامع الصحيح ، و للكلمة مفعول السحر قد تُدخل السرور في الطرف المقابل ، وقد تجلبُ النفور منه , فنرى أن الداعية المتمكنة التي تكون على علم بمهارات فن الإلقاء الدعوي سيكون لها تأثير أبلغ ، وأقوى في توصيل مادتها الدعوية، والتأثير على المستمعات والمتلقيات، فكان لابد من تسليط الضوء على فن الإلقاء الدعوي وأهميته في حياة الداعية فكان لدعوتها هذا التحقيق :
مشاعر وأحاسيس:-
بداية عرف لنا الأستاذ حسن سليمان حلس ( محاضر بكلية الدعوة الإسلامية وإمام وخطيب مسجد مصعب بن عمير بمدينة غزة) فن الإلقاء الدعوي فقال : ( هو عبارة عن مجموع من المهارات ، والفنون الصوتية ، والجسدية التي يستخدمها الداعية في نقل أفكاره ، ومعلوماته للآخرين بطريقة جذابة ميسرة) ، وفي رده على سؤالنا حول مفهوم الإلقاء الناجح يؤكد حلس : أن الإلقاء الناجح ليس مجرد تلفظ بكلمات معينة بصوت مسموع، ولكنه أكبر من ذلك وأدق حيث يحتاج نجاح الإلقاء إلى عناصر مهمة من أبرزها :-
1- وجود مشاعر ، و أحاسيس و معلومات لدى الملقي، وهذا يعني أنه لابد أن يتفاعل الملقي أولا مع ما يريد إلقاءه ، وأن يكون له أهمية في نفسه ، وأن يتأثر به قبل أن يؤثر في غيره ، مع وجود المعلومات الكافية حول الموضوع الذي يريد الكلام حوله.
2- استخدام بعض أجزاء الجسد في الإلقاء ؛ كاليدين ، وتعبيرات الوجه ، وحركة الجسم بحسب الموقف والموضوع الملقى .
3- نبرات الصوت ، حيث أن نبرة الصوت من الأشياء المهمة في الإلقاء؛ فالصوت الخافت البطيء يجلب النوم ، ومثله الصوت الذي يكون على وتيرة واحدة ، والصوت القوي السريع يجلب النشاط والانتباه ، كما أن بعض نبرات الصوت تجلب الحزن وبعضها تجلب الفرح .
الرسول قدوتنا :-
وعن أهمية الإلقاء الناجح يبين أ. حلس : أن للإلقاء أهمية كبيرة فهو الوسيلة الأولى التي يمكن للداعية أن يستخدمها لإيصال ما يريد إيصاله للآخرين ، وقد استخدم أسلوب الإلقاء في الدعوة أفضل البشر، وهم الرسل عليهم السلام وعلى رأسهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فدخل الناس بسبب ذلك في دين الله أفواجاً ، وكذلك استخدمه خلفاء رسولنا وكثير من أصحابه رضي الله عنهم.
وحول كيفية مساعدة الداعية في إلقاء كلمتها يوضح أ. حلس: أن الإلقاء الناجح مهارة يمكن اكتسابها كباقي المهارات، والإنسان العاقل بطبيعته ، وبما وهبه الله من نعم قادر على اكتساب هذه المهارة مهما كان جنسه ، ومهما بلغ سنه إلا أن يكون لديه مانع عضوي من ذلك؛ كالصغير جداً أو من لديه مشكلات حقيقية في النطق، منوها إلى أن اكتساب هذه المهارة يحتاج إلى بعض المعلومات ، مع بعض التدريبات التطبيقية وتنمو هذه المهارة مع الزمن ومع طول الممارسة، وزيادة المعلومات حولها وحول إتقانها.
مهارات فن الخطاب الدعوي :-
وفي معرض رده على سؤالنا حول مهارات الخطاب الدعوي يوضح أ . حلس : أن هناك مهارات كثيرة فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
1. أن تكون المحاضرة مرتجلة قدر الإمكان, وأن تتجنب القراء النصية عن الورق, والأفضل أن تكتب النقاط المهمة التي ستتناولها في المحاضرة.
2. الصوت الحسن مع علوه عند الحاجة, والانفعال مع المحاضرة يؤثر في المستمعين ففي صحيح مسلم من جابر بن عبد الله أنه قال: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه, وعلا صوته, واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم}.
3. عدم الإكثار من الإشارة باليدين ، أو التحريك الكثير للجسم يميناً وشمالاً ؛ لأن ذلك يعد خللاً وتشتيت لانتباه المستمعين.
4. أن تقف أو تجلس المحاضرة وقفة تضفي عليها الهيبة والوقار، وحسن السمة ، وأن تتجنب التخصر، أو وضع اليدين في الجيب ، أو النظر إلى أسفل باستمرار؛ بل عليها أن توزع نظراتها على المستمعين.
5. أن تكون لدى الداعية براعة في التشويق ، والاستهلال للمحاضرة فتبدأ بما يجذب انتباه الناس، ويثير اهتماماتهم بذكر قصة، أو حادث ، أو موقف معين تدور حوله المحاضرة.
دروس متبعة :-
وعن الطرق والدروس التي تتبعها الداعية للتحضير للمحاضرة يؤكد أ. حسن حلس أنه لا بد للداعية أن تراعي الأمور التالية عند التحضير للمحاضرة والندوة ومن أهم هذه الأمور:
1. تحديد الهدف: وهذا الأمر مهم في معرفة موضوع المحاضرة, هل الهدف تصحيح أفكار ومعتقدا خاطئة؟ أو مقاومة عادة قبيحة ، أو صرف الناس عن معصية من المعاصي إلى غير ذلك.
2. اختيار موضوع المحاضرة: وهو أمر في غاية الأهمية, فلا بد أن يكون الموضوع متلائماً مع الهدف الذي رسمته, ومتناسبا مع واقع الناس.
3. جمع المادة العلمية: وذلك يكون على النحو التالي:
أولاً: جمع الآيات والأحاديث المتعلقة بالموضوع ،والاطلاع على تفسيرها ،وشروحها مع التأكد من صحة الأحاديث.
ثانياً: الاطلاع على أقوال العلماء القدماء، والمعاصرين المتعلقة بموضوع الندوة.
ثالثاً: جمع الأمثال، والحكم ،والقصص ، والأشعار التي تناسب الموضوع.
4. تنسيق المعلومات التي قامت بجمعها وفق عناصر المحاضرة.
5. الربط والاستنتاج: أي بالواقع.
مبينا خلال حديثة أنه ممكن في بدايات الإلقاء الاستعانة بالمواقع التي تهتم بنشر الخطب وأخذ ما يتناسب مع موضوع الداعية التي تحب أن تلقيه، وذلك مثل موقع المنبر.
أعظم وظيفة على الإطلاق :-
وعن أهم الوصايا التي ممكن أن نقدمها للداعية الجديدة يؤكد أ. حلس أنه من أهم تلك الوصايا أن تعلم أنها تقوم بأعظم وظيفة على الإطلاق ألا، وهي وظيفة الأنبياء الكرام ، وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
مشيراً إلى أن كل داعية عليها أن تشتغل في دلالة الناس على طريق الهداية ، وتقريبهم إلى الطريق الحق لا أن تشتغل في الحكم على الناس, مضيفا أنها يجب تكون على قدر كبير من الصبر والثبات في بدايات طريق دعوتها ، وأن لا تستعجل قطف الثمار ، ولا تيأس فالبصر واليقين تنال الإمامة في الدين.
وردا على سؤالنا عن الصعوبات التي تواجه الداعية وكيفية تفادي هذه الصعوبات يقول أ.حلس : من أهم الصعوبات التي تواجه الكثير من الداعيات في بداية دعوتهم الخوف ، والارتباك ، والخجل من الوقوف أمام المستمعين , و عدم توفر المراجع, أو عدم القدرة على جذب الناس للجلوس لمحاضرتها ، أو غير ذلك, منوها إلى كل داعية عليها أن تعلم أن كل الصعوبات تذهب تدريجياً إذا كانت الداعية صاحبة عزيمة قوية كما قال الشاعر:
|
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة
|
فإن فساد الرأي أن تترددا
|
وينصح أ. حلس الداعية بأن تركز في دعوتها على الموضوعات التي تحتاج إليها المرأة وتلامس واقعها, وأن تهتم بشريحة المراهقات ، وتطرح الموضوعات التي تهمهن ، وتشغل حيز تفكيرهن ، وذلك مثل الفتاة والجمال, والزينة , والمعاكسات , والتدين,والحب, والزواج, والشهوة, الأسرة, والنجاح, إلى غير ذلك من القضايا.
ويبشر أ . حسن الداعيات والمهتمين بالدعوة إلى الله أنه بصدد إصدار كتاب يهتم بهذه القضايا ويعالجها علاجاً شرعياً ، وعقلياً ، ونفسياً ، وبإذن الله يرى النور قريباً ـ مع دعاؤنا للأستاذ حسن بالتوفيق والنجاح ـ كما يرى أ. حلس أنه لا يوجد طريق بدون عقبات ؛ لكن الذكاء ، والفطنة كيف نجتاز تلك العقبات قائلا : لقد قرأت مرةً أن خطيباً أشتهر بالقدرة على الخطابة ، وذات يوم فاجأه أحد المستمعين أثناء المحاضرة بقوله: "هذا كلام غير صحيح" ، وفطن المحاضر إلى ما يريد الرجل فاكتفى بقوله " هذا رأيك" واستمر دون أن ينقطع ، ناصحاُ خلال حديثه الداعية أن تكون متيقظة سريعة البديهة ، وأن تتفادى تلك المواقف بأسلوب واثق لبق , منوها أنه ممكن أن تطلب الداعية أن تكون تلك النقاشات بعد فراغ المحاضرة.
مراعاة نفسية المخاطب :-
ومن جانبها تتحدث المشرفة على واعظات غزة عبير الطرطور عن الخطوات التي تتبعها عند إلقاء الكلمة قائلة :- لاشك أن هناك مجموعة من الخطوات تتبعها الداعية عند تحضيرها لإلقاء محاضرة وهي :
ــ اختيار الموضوع ولا شك أن اختياره قمة التوكل على الله, وعدم اختياره هو عين التواكل ، والتفريط في حق الدعوة ,ويجب مراعاة الموضوع لنفسية المخاطب , وظروفه ,وعقله ( طبيعة الفئة المستهدفة ) ,ومناسبته أيضا لواقع الحياة , فسيأتي الموضوع مناسبا لهذه الظروف ,إضافة إلى تقسيم الموضوع إلى عناصر مقدمة , وموضوع, وخاتمة , والنتيجة التي يصل إليها الداعية في نهاية محاضرته ,وكذلك تحديد الأهداف التعليمية التي يرنوا إليها الداعية من خلال درسه , أيضا جمع المادة العلمية من مصادرها بما في ذلك الآيات والأحاديث ,مع مراعاة أن تكون الأحاديث صحيحة ,أو حسنة ,بعيداً عن الحديث الضعيف ,إلا إذا كان من باب الترغيب والترهيب مع تفسير ذلك , وكذلك كل ما يخدم ويدعم الموضوع من قصص السلف الصالح والسيرة النبوية والقصص الواقعية.
كما تنصح الطرطور على كتابة المادة العلمية ,على شكل نقاط في ورقه صغيرة , ليستجمع الداعية المعلومات عند إلقاء المحاضرة ,وأشارت إلى أهمية تحديد زمن الندوة ,ومكانها, ومراعاة الدقة في ذلك, مع استخدام وسائل التكنولوجيا إذا لزم الأمر.
مشيرة إلى إمكانية استضافة خبراء لمعالجة موضوع معين , ويتعين أن يكونوا ملمين بالموضوع حتى يستطيعوا تغطيته من جميع الجوانب .
منوهة خلال حديثها أنه يجب ترك فسحة ، أو مجال لمناقشة الجمهور, مما يثري المحاضرة، ويمد الداعية بآراء وخبرات جديدة , ويدفعه إلى البحث العميق ,سيما إذا ما تعرض لسؤال لا يعرف إجابته .
فيما توضح الداعية أم إبراهيم أبو حرب الخطوات التي تتبعها عند التحضير لموضوع دعوي بحيث تحرص في البداية على معرفة الفئة التي ستستمع للمحاضرة, أو الندوة, وبالتالي يتم اختيار الموضوع المناسب لذلك ,وكذلك إذا كان هناك مناسبة دينية يمكن اختيارها موضوع للندوة, ثم بعد ذلك يتم التحضير للموضوع والبحث عنه في الكتب وأحيانا تلجأ إلى الشبكة العنكبوتية وتتصفح في بعض المواقع الدينية الموثوق بها .
فيما ترى الداعية ناهده الحمارنة : أن على كل داعية مراعاة الطبقة التي توجه إليها الرسالة، وعليها مخاطبة الناس على قدر عقولهم , وأن تحرص على انتقاء المواضيع التي تناسبهم وترضيهم , فيجب مراعاة أن هناك فئة غير مثقفة , أو نقول أنهم أناس عاديين , فيجب تبسيط المعلومة لهم، وذلك عن طريق استخدام الأسلوب القصصي , وعليها أن تحرص على الوسطية في انتقاء المواضيع.
الإخلاص لله تعالى :-
ورداً على سؤالنا حول الصعوبة التي تجدها الدعية في إلقاء الكلمة تقول الطرطور" أنه قد تكون الصعوبة في إلقاء أول محاضرة أمام الجمهور لطبيعة الموقف، ولكن بعد ذلك يفتح الله على الداعية فينطلق اللسان، ويطمئن الجنان , فلم تعد هناك صعوبة في إلقاء الكلمة إلا إذا لم تخلص لله تعالى ، وظنت أنها بذكائها ، وعلمها قد تعلم الناس دون الاعتماد على الله ، مشيرة إلى أنها تكون قد اتكلت على نفسها فيكلها الله إليها , ومن يتوكل على الله فهو حسبه .
في حين تقول أم إبراهيم: في بداية طريقي في مجال الدعوة كنت أشعر بالخوف ، والرهبة أحياناً، ولكن بعد الممارسة صار الموضوع بالنسبة لي سهل.
وفي الإطار ذاته تشير الحمارنة أن الداعية المتمرسة لا تجد صعوبة في إلقاء الندوة، ولكن الصعوبة قد تكون عندما توجه لها سؤال قد لا تعرف إجابته فيحتاج إلى بحث ، وتدقيق هنا عليها أن ترجئ إجابة السؤال إلى الحلقة القادمة من الدرس ، وذلك لبناء التواصل بينها وبين المتلقية.
التكنولوجيا خدمت الداعيات :-
وعن قدرة الداعية لتناول مواضيع جديدة تؤكد عبير: أنه في خضم الوسائل التكنولوجية المتاحة أصبح من السهولة بمكان أن تصل الداعية إلى أي موضوع تريده، أو حتى بما يتعلق بجزيئات معينه منه عن طريق كبسه واحدة على زر , قائلة : فالحمد لله أن حفظ الله دينه ، ويسره لنا .
فيما تشير الداعية أم إبراهيم : أنه في أغلب الأحيان لا تجد صعوبة في البحث عن أي موضوع تريد البحث عنه ؛ لأنها تلجأ إلى المواقع الدينية المتخصصة في هذا المجال ، وترجع ذلك إلى تقدم وسائل الاتصال، وتوفرها في وقتنا الحالي .
منذ نعومة أظافري :-
وعن أول محاضرة ألقتها الداعية عبير تقول : الحمد لله لقد منّ الله علي بإلقاء المحاضرات منذ نعومة أظافري ، وأذكر أن البداية كانت في الصف الثامن، وكنت ألقى المحاضرات في فترة الاستراحة في أحد الفصول , وأذكر أول ندوة عقدتها كانت تفسير الآيات من سورة النور مضيفة : أن الإعجاب ، والثناء من قبل جمهور الطالبات كان مشجعاً مما جعل لديها دفاعية، وتوجه في هذا الاتجاه ، وتقول : قد كان دائما يقال عن سمتي الشخصية أنني سأكون في المستقبل " معلمة دين " ـ والحمد لله ـ مشيرة إلى أن أول بداية دائماً تكون صعبة على نفس الداعية, الذي يواجه فيه جمهوراً قد يضم العامي ,والمثقف, والمجادل, وغير ذلك, ولذلك الداعية تتهيب من إلقاء الندوة ، وتشعر بالقلق ، والخوف الفطري , وقد يتخيل لها أنها تتلعثم بين الكلمات والآيات ، أو تخطئ في ضبط الكلمات ، وقد يتخيل لها أن الجمهور سينهال عليها بوابل من الأسئلة لا تستطيع الإجابة عليها, هذا باعتقادي شعور أي داعية في البدايات الأولى.
وفي نفس السياق تقول الداعية (.....) كانت أول محاضرة ألقيتها بعنوان : (أنواع الأنفس ) مبينة أنها كانت تشعر بالخوف ، والرهبة ، وكان لديها شعور بأن هناك قوة غريبة تدفعها للعمل في المجال الدعوي رغم أنه طريق شاق ، ويحتاج من الداعية إلى صبر ، وتحمل كل مشاق الدعوة إلا أن فضله كبير وعظيم .
أما الداعية ناهدة فأول محاضرة ألقتها كانت من فترة طويلة تقريبا منذ عام 1984 ، وكانت في الجامعة الإسلامية وهي شرح حديث " عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
فيما تقول الداعية (ف.ع) أول محاضرة ألقتها كانت عن عشر الأواخر من ذي الحجة ، وكانت متحمسة جداً وتشعر بالخوف في داخلها وتقول : إن المكان كان بعيد عن منطقة سكني، وكذلك عدد الحاضرين في أول محاضرة كان قليل ؛ لكن والحمد لله بدأ يزيد مع الأيام ,وترجع ذلك إلى الأسلوب الذي تستخدمه, وكذلك بشاشة الداعية, وابتسامتها في وجه جمهورها المتلقي يمثل عامل جذب لحضور الندوة , وتنوه إلى أن على كل داعية عليها تمهيد للموضوع, وأن تكون ملمة بموضوع الندوة من كل جوانبه, منوه خلال حديثها أن النساء يحببن الأسلوب القصصي في غالب الندوات, وعلى الداعية أن تحرص على أن تكون ذات نفس طويل وصوت جميل .
صدق وإخلاص النية :-
وفي معرض ردها على سؤالنا حول كيفية استعداد الداعية لإلقاء الكلمة من ناحية نفسية تتفق كلا الداعيتين عبير وأم إبراهيم بأنه لا شك أن الاستعداد النفسي له دور في نجاح الداعية في محاضراتها، ويأتي هذا بحسب التوكل على الله ، والاستعانة به ، ودعائه أن يفتح الله عليها مع إخلاص النية لله تعالى ، ثم تحسن التحضير ، والتمكن من الدرس، وتصورها له وللفئة المستهدفة يجعلها تقبل بكل راحة على محاضرتها، وتنوهان أن الصدق ، وإخلاص النية لله يضفي على النفس راحة كبيرة تستطيع الداعية من خلالها تهيئة الجو النفسي لها وإلقاء ندوتها بكل راحة وعدم توتر .
وفي ذات السياق تشير الطرطور خلال حديثها أنه : على الداعية أن تحسن اختيار الموضوع ، ثم بعد ذلك تحدد الأهداف التعليمية التي تهدف إلى تحقيقها من خلال محاضرتها، ثم بعد ذلك تقسمه إلى مقدمة، وقد تكون عامة تصلح لأي محاضرة أو خاصة بموضوعها متضمنة إشارات للموضوع الذي اختارته ، ثم الموضوع الذي تجمع فيه المادة العلمية المركزة مستشهدة بالأحاديث ، والآيات ، والقصص مراعية اللغة ، والجوانب النحوية، وغير ذلك ، ثم الخاتمة أو النتيجة التي يختم بها درسه.
وتؤكد أم إبراهيم خلال حديثها عن نفس الموضوع أنه بعد تحديد عنوان الندوة يتم في البداية كتابة المقدمة التي يجب أن تتناسب مع سياق الموضوع، ثم يتم تحديد عناصر الموضوع وكتابتها بشكل مرتب حسب أهميتها ، ثم بعد ذلك كتابة التوجيهات والإرشادات المناسبة ،وفي النهاية الخاتمة ، وبعد ذلك تختم بالدعاء.
مخزون حقيقي للداعية :-
وفيما يتعلق بضرورة حفظ الندوة ، والفائدة التي تجنيها الداعية من ذلك تشير الطرطور أن ذلك يرجع إلى القدرة الذهنية للداعية فإن كانت مبتدئة وليست ملمة بمعلومات الموضوع الذي تريد إلقاءه فتنصحها بحفظ الخطبة , وفي حين إذا كانت الداعية ذو خبرة ، ومتمكنة من محتوى موضوعها فيكفيها وضع نقاط معينة في ورقه صغيرة وتنطلق بإذن الله تعالى , مؤكدة على أن حفظ هذه المحاضرة يعود بالفتح العظيم على الداعية من ناحية, و تزويدها بكم كبير من المعلومات والشواهد والأدلة التي تستعين بها من ناحية أخرى .
مع التنويه أنها بعد ذلك ستكون فتوحات للداعية بإذن الله , مبينة أن ذلك يعطيه قدرة على إجابة الأسئلة التي يتعرض لها من قبل الجمهور, نتيجة المعلومات الطيبة التي حصدتها وحواها عقلها, مع الإشارة إلى أن حفظ الندوات يمثل مخزون حقيقي للداعية تعتمد عليه في دعوتها .
في حين تؤكد الداعية أم إبراهيم أنها تحتفظ بكل ندوة تلقيها ،وتاريخها ، وفي أي مسجد مبينة أن ذلك يفيدها كثيراً ويجنبها تكرار الموضوع في نفس المسجد منوهة إلى أنه يمكن الاستفادة منها في أمور أخرى، أو في مساجد أخرى ، ويمكن إعطاءها لداعيات حتى يستفدن منها.
طبيعة المدعو (عقليته بيئته وسنه) :-
وعن مدى تأثير اختلاف أعمار ونوعية الجمهور المتلقي على عنوان الندوة، أو طريقة التحضير لها تؤكد أ. عبير أن اختلاف الفئات العمرية ، أو الفئات المستهدفة يؤثر على اختيار الداعية ، وموضوع المحاضرة مشيرة إلى اختلاف طريقة عرض المحاضرة أيضا أسلوبه وضربت لنا مثلا " لو كان الجمهور من المثقفين فلابد للداعية أن تختار موضوعاً يناسب مستواهم مستعينة بوسائل التقنية الحديثة في توضيح موضوعها ، بخلاف لو كانوا أناس أميين، أو عاديين فقد يكتفي بعرض الموضوع بطريقة بسيطة تناسب مستواهم ، وكذلك بالنسبة للفرق بين المواضيع التي تلقى للكبار فهي تختلف عن طريقة المواضيع التي تلقى لصغار السن، و تقول الطرطور : أن معرفة طبيعة المدعو (عقليته، وبيئته ، وسنه ) لها دور في اختيار الداعية الموضوع المناسب للفئة المستهدفة ، فيما ترى أم إبراهيم أن اختلاف نوعية الحضور، واختلاف أعمارهم، وثقافتهم يؤثر كثيراً على طريقة عرض واختيار الموضوع فيجب على الداعية أن تحرص على أن يكون عنوان الندوة مناسب مع أعمار المدعوين ، ومع الأشياء التي تحدث في واقعهم الذي يعيشونه فعندما تكون المحاضرة لطالبات المدارس يجب أن تكون عن الأمور أو المشاكل التي تمر فيها الفتيات على سبيل المثال : موضوع أخطار النت ، وكيفية التعامل معه ، منوهة أنه يجب أن يكون الموضوع خاص و موجه لهذه الفئة حتى تحقق الندوة ما تصبوا إليه من أهداف .
حسم الجدال :-
وعن إثارة الجدل داخل المحاضرة من قبل الجمهور المتلقي تؤكد الداعية ناهدة أن على كل داعية عندما تتعرض لمثل تلك المجادلات خلال الدرس أن تحسم الموضوع ، وتقنعهم بأن الجدل لا يصل بنا إلى فائدة ، وعليها أن تقوي حديثها بالأدلة من القرآن الكريم والسنة , ذاكرة حديث للرسول صلى الله عليه وسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { دعوني ما تركتكم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرةُ سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم} متفق عليه ، وقوله تعالى " قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿101﴾ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴿102﴾ } [المائدة] ، ومشيرة خلال حديثها أن على الداعية أن تنصحهم أن يتفكروا في خلق الله لا يتفكروا في ذات الله مبينة إنهن كثيراً ما يتعرضن لمثل هذه المجادلات .
وفي الإطار ذاته ترى الداعية عبير أنه أحيانا قد تتعرض لبعض المواقف المحرجة من قبل بعض المنطقيين ، أو المتفقهين الذين يحاولون مثلاً التقليل من شأن الداعية ، وإظهارها بمظهر الجاهل غير ملمة بدرسها.
مؤكدة أنه هنا يجب أن تظهر شخصية الداعية فعليها أن تواجه الموقف بلباقة ، وحسن التصرف، وحسن التخلص منها دون أن يشعر الحضور أنها تجهل هذه المسألة هذا في حال جهلها بمسألة معينة، ولكن إن كانت ملمة وعندها علم بها فلتجادل بالتي أحسن إتباعا لقوله تعالى :{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿125﴾ }. [ سورة النحل ]
ومن جانبها تشير الداعية أم إبراهيم إلى أن ذلك يحدث كثيراً في بعض المساجد عندما تعترض إحدى الأخوات على موضوع معين أو تشكك في بعض المعلومات مشيرة أنه يجب على الداعية أن تتصرف بلباقة شديد ة فلا ترد بعصبية ، ولا تستخدم ألفاظ غير مناسبة .
وتنصح أم إبراهيم الداعيات أنه يمكن توجيه الأخوات المجادلات لكتاب معين ، أو شيخ معروف بعلمه بذلك تكون قد احتوت الأمر بدون أن يكون بلبلة في المسجد .
الداعية قدوة للمرأة :-
التقينا ببعض النساء لنرصد آراءهن, في حلقات جميلة مليئة بالذكر, ووجوه تنيرها المحبة, و الابتسامة على محيا الجميع في بيت الله ,التقينا " بأم أسامة" وسألناها عن المواضيع التي تحب من الداعية أن تتطرق لها أجابت : أن التربية الروحية ، والنفسية للإنسان من المواضيع التي يجب أن تهتم بها الداعية , ومبينة أنه قد تغفل بعض الداعيات عن التطرق لهذه المواضيع بذلك فالحديث قليل عن تربية الإنسان تربية روحية ونفسية, وتؤكد أن على الداعية أن تناقش الأمور التي تخص الأسرة وخصوصاً الأولاد في جميع مراحلهم , والتركيز على تربيتهم؛ لأن الأسرة أساس المجتمع ، وبذلك نصل إلى أسرة سليمة،وصالحة مقيمة لحدود الله ومنها يكون أفراد صالحين, وترجع ذلك إلى مهارة الداعية في انتقاء واختيار الموضوع , وتتفق" أم أسامة " و " أم عمر" في أن أساليب الدعوة في وقتنا الحالي أفضل من الوقت السابق حيث يوجد الآن داعيات خريجات يمارسن الدعوة عن علم ودراية, ليس كسابق الوقت , فنرى أن الداعية قديماً كانت تعطي الدروس عشوائياً , إنما في وقتنا الحالي فالداعيات متمكنات بعلمهن ، ودراستهن للفقه ، والعقيدة ، وجميع الأمور الدينية ,إضافة إلى استفادة الداعية من تجاربها في الحياة, منوهة أم أسامة إلى أن الكثير منهن دارسات للعلم ، وتتلمذن على أيدي أساتذة كبار واشرفوا عليهن إلى أن أصبحت الداعية تستحق أن تكون في هذا المجال، وتقول أم أسامة "أن الداعية تجد احترام وتقدير كبير فهي تعتبر قدوة للمرأة ، وتتمنى أم أسامة أن ترى بناتها مثل الداعيات التي تراهم اليوم .
تصحيح النفس وتثقيفها :-
وعن عيوب الداعية تقول "أم عمر" : الإنسان لا يخلو من العيوب قد نجد داعية تتميز بالبطء الشديد في إلقاء الدرس ، وعدم الشدة ؛ بل تكون أحياناً تدعو ندوتها إلى الخمول ، وفي حين تقول" س ..ن " من سكان مدينة رفح هناك مواضيع نريد الاستزادة منها مثل المواضيع الخاصة بالأسرة ، والحياة الزوجية ، ودورات في الفقه, فيما ترى الأخت عفاف أن الداعية اليوم متعلمة، وواعية ، وكثير من الداعيات متميزات بالجرأة ، والكفاءة بالإضافة إلى البشاشة ، والروح الطيبة،ومن جانبها تظهر إيمان أنه أصبح اليوم للداعية مكانة كبيرة في المجتمع ،ولها تقديرها، واحترامها ،وقدمت الشيء الكثير للمجتمع من توعية الناس بأمور دينهم ، ونشر العلم الشرعي، وتبين إيمان أن الداعية اليوم تلجأ إلى تصحيح نفسها من وقت لآخر ، والعمل على تثقيف نفسها هذا كله قد يقلل من العيوب التي يمكن أن نلامسها في الداعية ، وعن تأثرهم بالداعيات فالجميع أكد أن أسلوب الداعية وبشاشتها، وشخصيتها القوية قد يكون مؤثر جدا في النفس ، ويجدن أن تطبيق الداعية لما تدعو إليه يزيد من إقبال الناس عليها ، ويزيد من تأثر العديد من النساء بها فهي قدوة لهن ، في حين نجد أن هناك داعيات ينفرن الناس منهن من أسلوبهن الفظ ، وطريقة إعطاءها المعلومة قد يبعد عنها العديد من النساء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ