فقه الاحتساب   
الفوائد الدعوية من قوله تعالى :{ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ }.
عدد التعليقات : 0
الكاتب:

بقلم / د. بدرية البشر .

  قول تعالى :{ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ }.(1)

69-(4521) ـ حدثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمانَ، حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: تَطَوُّفُ الرَّجُلِ بِالْبَيْتِ ما كانَ حَلالاً حَتَّى  يُهِلَّ بِالْحَجِّ فَإذا رَكِبَ إلى عَرَفَةَ فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ مِنَ الإبِلِ أوِ الْبَقَرِ أوِ الْغَنَمِ ما تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ ذلِكَ أيَّ ذلِكَ شاءَ غَيْرَ أنْ لَمْ يَتيَسَّرْ لَهُ فَعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَذلِكَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإنْ كانَ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ الثَّلاثَةِ يَوْمُ عَرَفَةَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ثُمَّ لْيَنْطَلِقْ حَتّى يَقِفَ بِعَرَفاتٍ مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ إلى أنْ يَكُونَ الظَّلامُ، ثُمَّ لَيْدْفَعُوا مِنْ عَرَفاتٍ إِذا أَفاضُوا مِنْها حّتَّى يَبْلُغُوا جَمْعاً الَّذِي يَبِيتُونَ بِهِ ثُمَّ لْيَذْكُرِ الله كَثِيراً، وَأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا فَإنَّ النَّاسَ كانُوا يُفِيضُونَ وَقالَ الله تَعالى: { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }  حَتّى تَرْمُوا الْجَمْرَةَ . (2)

شرح غريب الحديث :

* تَطَوُّفُ الرَّجُلِ بِالْبَيْتِ ما كانَ حَلالاً : أي المقيم بمكة، والذي دخل بعمرة وتحلل منها.(3)

*   أَفاضُوا  : الإفاضة:الزحف والدفع في السير بكثرة، و لا يكون إلا عن تفرق وجمع.وأصل الإفاضة الصب فاستعيرت للدفع في السير.(4) 

* جَمْعا : بفتح الجيم وسكون الميم وهو المزدلفة .(5)

*  الْجَمْرَةَ  : الجَمَراتُ والجِمارُ: الحصيات التي يرمى بها في مكة ،واحدتها جمرة ، وهي ثلاث جمرات يرمين بالجمار. (6)

الدراسة الدعوية للحديث :

من هذا الحديث نخرج بمجموعة من الفوائد والدروس الدعوية ، نلخصها في الآتي:

الأول : تعليم الموالي.

الثاني :  من موضوعات الدعوة:بيان بعض مناسك الحج .

الثالث : اتباع السنة، وتقديمها على الرخصة.

الرابع: من خصائص الدعوة: التيسير.

الخامس : من موضوعات الدعوة: بيان التخطيط، والتنظيم في الحج.

السادس : من موضوعات الدعوة:بيان أهمية الدعاء، وملازمته .

أما الحديث عنها بالتفصيل فهو على النحو الآتي: 

الأول ـ تعليم الموالي :

في هذا الحديث دليل على أهمية تعليم الموالي، حيث حدّث ابن عباس رضي الله عنهما مولاه كريباً(7) بهذا الحديث، وما تضمنه من أحكام الحج ومناسكه، وكان من ثمار هذا التعليم تحديث كريب غيره به نشراً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الثاني ـ من موضوعات الدعوة: بيان بعض مناسك الحج :

في هذا الحديث من موضوعات الدعوة بيان بعض المناسك التي يقوم بـها الحاج أثناء أدائه فريضته، فذكر ابن عباس رضي الله عنهما من يحل له الطواف بالبيت، وهو الذي حل من إحرامه للعمرة ، أو المقيم في مكة فهذان يحل لهما الطواف بالبيت، ثم ذكر الهدي ، وحكم من كان قارناً ، أو متمتعاً ولم يكن معه هدي، ثم ذكر وقت الوقوف في عرفات والخروج منها إلى مزدلفة، ومتى يخرج الحاج من مزدلفة ، وماذا ينبغي له أثناء المبيت، ثم الإفاضة إلى منى لرمي الجمرات.

وذكر عبدالله رضي الله عنه للمناسك استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمر من خرج معه في حجة الوداع أن يأخذ عنه المناسك، ويبلغها لغيره ممن لم يحضر الحج (( وليبلغ الشاهد الغائب))(8)، وهذه الأمور التي ذكرها ابن عباس رضي الله عنهما في حديثه من دقائق التشريع التي يجهلها كثير من الناس فينبغي للداعية إلى الله تعالى أن يكثر من الحديث عنها وذكر تفصيلاتها، خاصة قبيل أيام الحج حتى يذهب الحاج إلى المشاعر المقدسة ، وقد علم ما له وما عليه، وتطيب نفسه بأداء حجته كاملة. (9)

الثالث ـ اتباع السنة وتقديمها على الرخصة:

إن في قول ابن عباس رضي الله عنهما : (وَأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا) إشارة إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج من مزدلفة أن يخرج صباحاً بعد أداء صلاة الفجر، وقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم لمن شق عليه ذلك أن يخـرج في منتصف الليل كما رخص لأم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنهـا وكانت امرأة ثقيلة (10)، فقول ابن عباس رضي الله عنهما هذا يشير إلى فضيلة اتباع السنة وتقديمها على الرخصة.

الرابع ـ من خصائص الدعوة: التيسير:

تجلت لنا في هذا الحديث واحدة من خصائص الدعوة الإسلامية السمحة؛ وهي التيسير على أتباعها، ورفع الحرج عنهم في حال عدم الاستطاعة، فقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما تيسير الإسلام في نوعية الهدي فلم يحدد نوعا واحداً بعينه؛ بل قال: (فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ مِنَ الإبِلِ أوِ الْبَقَرِ أوِ الْغَنَمِ ماتَيَسَّرَ لَهُ مِنْ ذلِكَ أيَّ ذلِكَ شاءَ) ثم أخبر الذي لا يستطيع أنه يصوم عوضاً عن ذلك قال: (غَيْرَ أنْ لَمْ يَتيَسَّرْ لَهُ فَعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ فِي الْحَجِّ) فيصوم عشرة أيام ثلاثة في الحج ، وسبعة إذا رجع إلى أهله حيث قال تعالى :{فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (11)، وصيام الثلاثة التي في الحج يكون قبل عرفة ؛ لأن الحاج لا يجوز له صيام يوم عرفة فإن صادف الثالث من أيام الصيام يوم عرفة فلا حرج عليه في صيامه قال ابن عباس رضي الله عنهما : (فَإنْ كانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ الثَّلاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ)، وهذا كله تيسيراً على الحاج في أداء مناسكه، وهذا التيسير هو جزء من منهج الدين الإسلامي في التعامل مع أتباعه.

الخامس ـ من موضوعات الدعوة: بيان التخطيط والتنظيم في الحج:

في هذا الحديث جاء بيان مناسك الحج والكيفية التي تؤدى عليها، يظهر فيها التخطيط الدقيق للأفعال، والتنظيم لها حيث ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الحاج إذا أهل بقران أو تمتع ولم يكن معه هدي يصوم : (غَيْرَ أنْ لَمْ يَتيَسَّرْ لَهُ فَعَلَيْهِ ثَلاثَةُ أيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَذلِكَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَإنْ كانَ آخِرَ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ الثَّلاثَةِ يَوْمُ عَرَفَةَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ) والأصل أن يصوم عشرة أيام: ثلاثة قبل عرفة وسبعة إذا رجع لقوله تعالى : {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}(12) ، ثم ذكر ابن عباس رضي الله عنهما أن الحاج يتجه إلى عرفات ويقف فيها إلى غروب الشمس قال: (ثُمَّ لْيَنْطَلِقْ حَتّى يَقِفَ بِعَرَفاتٍ مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ إلى أنْ يَكُونَ الظَّلامُ) ، ثم يدفع الحاج إلى مزدلفة فيبيت فيها ، ويكثروا من الذكر،  والدعاء، والتكبير، والتهليل، ثم الإفاضة منها إلى منى : (ثُمَّ لَيْدْفَعُوا مِنْ عَرَفاتٍ إِذا أَفاضُوا مِنْها حّتَّى يَبْلُغُوا جَمْعاً الَّذِي يَبِيتُونَ بِهِ ثُمَّ لْيَذْكُرِ الله كَثِيراً، وَأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا فَإنَّ النَّاسَ كانُوا يُفِيضُونَ)، وفي منى يرمي الحاج الجمرات قال: (حَتّى تَرْمُوا الْجَمْرَةَ)، وهذا تنظيم دقيق أمر به الله عز وجل، وحرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليمه لأمته عندما حج حجة الوداع فكان يقول: ((خذوا عني مناسككم)) فخرج معه جمع من المسلمين كلهم يريد أن يأتم به.

السادس ـ من موضوعات الدعوة: بيان أهمية الدعاء وملازمته :

إن في أمر ابن عباس رضي الله عنهما لحجاج بيت الله الحرام أن يكثروا من التهليل والتكبير ، وحثهم على ملازمته بقوله : (ثُمَّ لْيَذْكُرِ الله كَثِيراً، وَأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أنْ تُصْبِحُوا) دليلاً على أهمية الدعاء ،وما ينبغي للمسلم من الحرص عليه خاصة في أوقات الاستجابة ، ومواطن العبادة المخصصة لها ؛ كالمساجد ، والمشاعر المقدسة لما لها من الفضل العظيم، وما فيها من مضاعفة الأجـر، قال تعالى: { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ}(13) ، ولا يقتصر الذكر والدعاء على فترة المبيت بمزدلفة فقط ؛ بل يشمل جميع المشاعر وحتى بعد قضاء المناسك، قـال تعـالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}. (14)

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1) سورة البقرة جزء من الآية (199).

2 ) انفرد به الإمام البخاري عن الإمام مسلم ولم يورد له أطرافاً.

 3) فتح الباري/ابن حجر 8/139.

4 ) لسان العرب /ابن منظور7/213 مادة فيض.

5 ) فتح الباري/ابن حجر 8/139.

6) لسان العرب /ابن منظور4/147 مادة جمر.

 7) هو كريب بن أبي مسلم ، الإمام ، الحجة ،أبو رشدين ، الهاشمي العباسي ، الحجازي.حدّث عن ابن عباس رضي الله عنهما،وأم الفضل أمه ،وأخته ميمونة ، وأسامة بن زيد ، وطائفة قال ابن سعد :كان ثقة ، حسن الحديث وقال يحي بن معين والنسائي: ثقة .وقال موسى بن عقبة: وضع كريب عندنا عدل بعير من كتب ابن عباس رضي الله عنهما. مات سنة ثمان وتسعين للهجرة. (انظر: تهذيب سير أعلام النبلاء للذهبي/إعداد الحمصي1/159 ، وشذرات الذهب/ابن العماد1/115)

8) انظر حديث رقم (104) من صحيح الإمام البخاري.

 9) لمعرفة صفة الحج كاملة وكيفيته انظر كتب الفقه ، كتاب الحج /باب في صفة الحج والعمرة .

 10) عن عائشة رضي الله عنها  قالت : (نزلنا المزدلفة ، فاستأذنت النبي صلى الله عليه وسلم سودة رضي الله عنها  أن تدفع قبل حطمة الناس ـ وكانت امرأة بطيئة ـ فأذن لها ، فدفعت قبل حطمة الناس ، وأقمنا حتى أصبحنا نحن ، ثم دفعنا بدفعه ، فلأن أكون استأذنت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  كما استأذنت سودة أحب إليَّ من مفروح به) صحيح الإمام البخاري:كتاب الحج /باب من قدَّم ضعفة أهله بليل 2/216 رقم الحديث (1681)وقال الشارح لهذه النسخة ـ وهي النسخة المعنمدة في الموسوعة ـ حطمة الناس :أي زحمتهم ،لأن بعضهم يحطم بعضاً من الزحام .وقولها مفروح به:أي من كل شيء يفرح به ويسر .

 11) سورة البقرة جزء من الآية رقم (196).

12 ) سورة البقرة جزء من الآية رقم (196).

 13) سورة البقرة جزء من الآية رقم (198).

14 ) سورة البقرة جزء من الآية رقم (200).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تاريخ المادة: 7/12/1430.

تاريخ اليوم

18 / 3 / 1433 هـ

بيع المستلزمات النسائية

مشاهدة النتائج