إنتاجها   
محاضرة : [ زاد الصائمة في رمضان ]
عدد التعليقات : 0
الكاتب:

 

بقلم / د. إبتسام بالقاسم القرني.

لما كان للقرآن الكريم  الأثر عظيم في زيادة الإيمان و تزكية النفس , قال تعالى : {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } [الإسراء/9] ، وبه تحصل طمأنينة القلب ؛ لأنه من أعظم الذكر قال تعالى :{ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ }  [الرعد/28] , وهو شفاء و مصدر رحمة قال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا } [الإسراء/82] , ولما كان رمضان و القرآن متلازمان ، فإذا ذكر رمضان ذكر القرآن، ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة "  ، قال ابن رجب - رحمه الله- في لطائف المعارف : " دل الحديث أيضا على استحباب دراسة القرآن في رمضان و الاجتماع على ذلك , و عرض القرآن على من هو أحفظ له , وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان , وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كان ليلاً يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً ؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم و يتواطأ فيه القلب و اللسان على التدبر كما قال تعالى : {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [سورة المزمل/6] , وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن كما قال تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة/185] ، و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم : "يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره , لهذا رأيت أن  أجمع بعض النصوص الشرعية من القرآن المتعلقة بعبادة الصيام ، وأقدمها لأخواتي الصائمات ، حتى تكون زاداً لهن إذ لا أنفع  للقلوب من نصوص الوحي، فجمعت طرفاً من أقوال أهل العلم في تفسير بعض الآيات القرآنية المتعلقة ببعض آيات الصيام، مع العناية بإيراد الأقوال مجردة دون ذكر أسانيدها، وكذا أقوال بعض الأئمة الأعلام في شرح الحديث القدسي في فضل الصيام ، اسأل الله أن يتقبل مني هذا العمل ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأرجو لمن ينتفع بهذه المادة المجموعة أن يدعو لجامعها بالقبول والتوفيق.

 الآية الأولى : {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.[البقرة :183]

أولا : تفسير المفردات :

( كتب) :  قال البغوي - رحمه الله- : أي فرض و أوجب ، قال ابن عثيمين - رحمه الله- : والذي فَرضه هو الله سبحانه وتعالى. (الصيام ) : الصيام في اللغة قال البغوي - رحمه الله- : الإمساك يقال: صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة؛لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت وأمسكت عن السير سويعة ومنه قوله تعالى: { فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا } [ مريم :26]  أي صمتاً؛لأنه إمساك عن الكلام .

 والصيام في الشرع حده ابن عثيمين - رحمه الله- بقوله : التعبد لله بترك المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

 (كما كتب )  قال ابن عثيمين -رحمه الله- : «ما» مصدرية ؛ والكاف حرف جر؛ وتفيد التشبيه ؛ وهو تشبيه للكتابة بالكتابة، وليس المكتوب بالمكتوب؛ والتشبيه بالفعل دون المفعول أمر مطرد، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر» [صحيح البخاري]: التشبيه هنا للرؤية بالرؤية؛ لا للمرئي بالمرئي ؛ لأن الكاف دخلت على الفعل الذي يؤول إلى مصدر.

( على الذين من قبلكم ) قال ابن عثيمين -رحمه الله- :- أي من الأمم السابقة - يعم اليهود ، والنصارى ، ومن قبلهم ؛ كلهم كتب عليهم الصيام ، ولكنه لا يلزم أن يكون كصيامنا في الوقت ، والمدة.

(لعلكم تتقون ) : " لعل" قال القرطبي : ترج في حقهم ، وقال ابن عثيمين - رحمه الله- : «لعل» للتعليل .

  ( تتقون) : ورد فيه عدة معان :

قال القرطبي قيل : معناه هنا تضعفون ، فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة ، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن، و قال البغوي - رحمه الله- : يعني بالصوم ؛ لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات، وقيل: لعلكم تحذرون عن الشهوات من الأكل والشرب والجماع ،وقيل : لتتقوا المعاصي ، وقيل : هو على العموم ؛ لأن الصيام كما جاء في الصحيحين عنه عليه الصلاة السلام : { الصيام جنة و وجاء} وسبب تقوى ؛ لأنه يميت الشهوات.

 المعنى الإجمالي للآية :

 قال السعدي - رحمه الله- : يخبر تعالى بما منَّ به على عباده، بأنه فرض عليهم الصيام ، كما فرضه على الأمم السابقة؛ لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان، وفيه تنشيط لهذه الأمة، بأنه ينبغي لكم أن تنافسوا غيركم في تكميل الأعمال، والمسارعة إلى صالح الخصال، وأنه ليس من الأمور الثقيلة،التي اختصيتم بها.

 ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى ، لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وقال ابن عثيمين - رحمه الله - : هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم؛وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية ، فإنها تبع.

  أنواع التقوى التي اشتمل عليه الصيام:  ذكر السعدي –رحمه الله - منها, ما يلي :

ــ   أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها، التي تميل إليها نفسه، متقرباً بذلك إلى الله، راجياً بتركها، ثوابه، فهذا من التقوى.

ــ       أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه، مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه .

ــ      أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، فبالصيام، يضعف نفوذه، وتقل منه المعاصي.

ــ       أن الصائم في الغالب، تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى.

ــ       أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك، مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى.

فوائـد الآيـة :

ذكر الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- جملة من الفوائد كما يلي :

ــ    أهمية الصيام لأن الله تعالى صدره بالنداء ، وأنه من مقتضيات الإيمان ؛ لأنه وجه الخطاب إلى المؤمنين ؛ وأنّ تركه مخل بالإيمان.

ــ        فرضية الصيام؛ لقوله تعالى: { كتب }.

ــ       فرض الصيام على من قبلنا من الأمم ؛ لقوله تعالى: { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ }.

ــ   تسلية الإنسان بما ألزم به غيره ليهون عليه القيام به؛ لقوله تعالى: { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ }، والتسلية لهذه الأمة حتى لا يقال: كلفنا بهذا العمل الشاق دون غيرنا؛ لقوله تعالى: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } [الزخرف: 39] ، يعني لن يخفف عنكم العذابَ اشتراكُكم فيه - كما هي الحال في الدنيا: فإن الإنسان إذا شاركه غيره في أمر شاق هان عليه ، ولهذا قالت الخنساء ترثي أخاها صخراً:

ولولا كثرة الباكين حولي

على إخوانهم لقتلت نفسي

وما يبكون مثل أخي ولكن

أسلي النفس عنه بالتأسي

ــ   استكمال هذه الأمة لفضائل من سبقها، حيث كتب الله عليها ما كتب على من قبلها لتترقى إلى درجة الكمال كما ترقى إليها من سبقها ، ولا ريب أن الصيام من أعظم الفضائل، فالإنسان يصبر عن طعامه، وشرابه، وشهوته لله عز وجل، ومن أجل هذا اختصه الله لنفسه، قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل : «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي».  متفق عليه

ــ      الحكمة في إيجاب الصيام ، وهي تقوى الله ؛ لقوله تعالى: { لعلكم تتقون }.

ــ     فضل التقوى ، وأنه ينبغي سلوك الأسباب الموصلة إليها ؛ لأن الله أوجب الصيام لهذه الغاية؛ إذاً هذه الغاية غاية عظيمة ، ويدل على عظمها أنها وصية الله للأولين، والآخرين؛ لقوله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ }. [النساء: 131]

ويتفرع على هذه الفائدة اعتبار الذرائع ؛ يعني ما كان ذريعة إلى الشيء فإن له حكم ذلك الشيء، فلما كانت التقوى واجبة كانت وسائلها واجبة، ولهذا يجب على الإنسان أن يبتعد عن مواطن الفتن فلا ينظر إلى المرأة الأجنبية، ولا يكلمها كلاماً يتمتع به معها؛ لأنه يؤدي إلى الفتنة، ويكون ذريعة إلى الفاحشة؛ فيجب اتقاء ذلك، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر من سمع بالدجال أن يبتعد عنه حتى لا يقع في فتنته.

ــ    حكمة الله سبحانه وتعالى بتنويع العبادات ؛ لأننا إذا تدبرنا العبادات وجدنا أن العبادات متنوعة  منها ما هو مالي محض، ومنها ما هو بدني محض، ومنها ما هو مركب منهما: بدني، ومالي ليتم اختبار المكلف؛ لأن من الناس من يهون عليه العمل البدني دون بذل المال، ومنهم من يكون بالعكس، ومن الناس من يهون عليه بذل المحبوب ويشق عليه الكف عن المحبوب ومنهم من يكون بالعكس، فمن ثَم نوَّع الله سبحانه وتعالى بحكمته العبادات؛ فالصوم كف عن المحبوب قد يكون عند بعض الناس أشق من بذل المحبوب، ومن العجائب في زمننا هذا أن من الناس من يصبر على الصيام، ويعظمه، ولكن لا يصبر على الصلاة، ولا يكون في قلبه من تعظيم الصلاة ما في قلبه من تعظيم الصيام، وتجده يصوم رمضان لكن الصلاة لا يصلي إلا من رمضان إلى رمضان وهذا لا شك خطأ في التفكير؛ لكن الصلاة حيث إنها تتكرر كل يوم صار هيناً على هذا الإنسان تركها، والصوم يكون عنده تركه صعباً ، ولهذا إذا أرادوا ذم إنسان قالوا: إنه لا يصوم، ولا يصلي يبدؤون بالصوم.

الآية الثانية : قوله تعالى :{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [ البقرة : 185] ، وقوله تعالى :{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}. [ البقرة :  186]

أولا : تفسير المفردات :

{ شَهْرُ رَمَضَانَ } قال ابن عثيمين - رحمه الله - : الشهر هو مدة ما بين الهلالين ، وسمي بذلك لاشتهاره ، ولهذا اختلف العلماء هل الهلال ما هلّ في الأفق - وإن لم يُرَ؛ أم الهلال ما رئي واشتهر؟ والصواب الثاني، وأن مجرد طلوعه في الأفق لا يترتب عليه حكم شرعي - حتى يرى، ويتبين، ويُشهد إلا أن يكون هناك مانع من غيم، أو نحو ه؛ و{رَمَضَانَ} مأخوذ من الرَّمْض .

 الخلاف في سبب تسمية رمضان بذلك :

فقيل: لأنه يرمض الذنوب - أي يحرقها ، وقيل: لأنه أول ما سميت الشهور بأسمائها صادف أنه في وقت الحر والرمضاء ؛ فسمي شهر رمضان؛ وهذا أقرب ؛ لأن هذه التسمية كانت قبل الإسلام.

(الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ) قال ابن عثيمين -رحمه الله- : {أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } أي أنزله الله سبحانه وتعالى فيه ، ومعروف أن النزول يكون من فوق ؛ لأن القرآن كلام الله عز وجل ؛ والله سبحانه وتعالى فوق السموات على العرش .

وهل المراد بـ{ القرآن } الجنس، فيشمل بعض ؛ أو المراد به العموم، فيشمل كله؟

قال بعض أهل العلم: إن «ال» للعموم فيشمل كل القرآن، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين المتأخرين، وعلى هذا القول يشكل الواقع ؛ لأن الواقع أن القرآن نزل في رمضان، وفي شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة... في جميع الشهور، ولكن أجابوا عن ذلك بأنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في رمضان، وصار جبريل يأخذه من هذا البيت، فينزل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لكن هذا الأثر ضعيف .

و الصحيح أن «ال» هنا للجنس؛ وليست للعموم ؛ وأن معنى: { أنزل فيه القرآن } أي ابتدئ فيه إنزاله، كقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } [الدخان: 3] ، وقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر: 1] أي ابتدأنا إنزاله.

{هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ }:  قوله تعالى: { هُدًى لِلنَّاسِ } فيه معنييان مبنيان على الاختلاف في الإعراب , ذكرهما ابن عثيمين -رحمه الله- :

الأول : { هدًى }: مفعول من أجله؛ و المعنى: أنزل لهداية الناس.

الثاني : حال من { القرآن }، والمعنى : أنزل هادياً للناس وهذا أقرب.

و{ هدًى } من الهداية؛ وهي الدلالة ؛ فالقرآن دلالة للناس يستدلون به على ما ينفعهم في دينهم، ودنياهم. فقوله تعالى: { هُدًى لِلنَّاسِ } أي: كل الناس يهتدون به المؤمن، والكافر الهداية العلمية، أما الهداية العملية فإنه هدًى للمتقين، كما في أول سورة البقرة ؛ فهو للمتقين هداية علمية، وعملية، وللناس عموماً فهو هداية علمية.

قال ابن كثير - رحمه الله - : هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه .

{ وَبَيِّنَاتٍ } أي : ودلائل وحُجَج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبَّرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للغي، ومفرقًا بين الحق والباطل، والحلال، والحرام.

قوله تعالى: { مِنَ الْهُدَى  } قال ابن عثيمين -رحمه الله- :  صفة لـ{بينات} يعني أنها بينات من الدلالة والإرشاد.

قوله تعالى: { وَالْفُرْقَانِ }: قال ابن عثيمين -رحمه الله- :المراد أنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الخير والشر، وبين النافع والضار، وبين حزب الله  وحرب الله فرقان في كل شيء، ولهذا من وفق لهداية القرآن يجد الفرق العظيم في الأمور المشتبهة، وأما من في قلبه زيغ فتشتبه عليه الأمور، فلا يفرق بين الأشياء المفترقة الواضحة.

ــ   القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [ البقرة /186] ، قال الطبري- رحمه الله - يعني تعالى ذكره: بذلك وإذا سَألك يا محمد عبادي عَني: أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم أسمع دُعاءهم، وأجيب دعوة الداعي منهم.

المعنى الإجمالي للآيتين :

قال تعالى :{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } قال ابن كثير - رحمه الله- : يمدح تعالى شهرَ الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه ،  و قال السعدي - رحمه الله - : أي: الصوم المفروض عليكم ، هو شهر رمضان الشهر العظيم، الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم ، وهو القرآن الكريم، المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية، وتبيين الحق بأوضح بيان، والفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، وأهل السعادة وأهل الشقاوة، فحقيق بشهر هذا فضله، وهذا إحسان الله عليكم فيه، أن يكون موسما للعباد مفروضا فيه الصيام .

وقوله تعالى :{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } قال القطان : جاءت هذه الآية في وسط آيات الصيام ؛كأنها استراحة لطيفة ، فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين للناس أن الذين يطيعونه ويؤدون فرائضه ، هم قريبون منه وهو قريب منهم ، وأنه يستجيب دعائهم في كل مكان ، وفي كل زمان ، فهو يسمع أقوالهم ، ويرى أعمالهم وليس بينه وبينهم حجاب ، فكيف إذا كان هذا الداعي صائما! ففي مسند الإمام أحمد الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : « ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة ، وتفتح لها أبواب السماء ، ويقول : بعزّتي لأنصرنك ولو بعد حين » وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله يقول : « للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة » وكان عبد الله بن عمر إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا . من ثم جاء ذكر الدعاء في ثنايا الحديث عن الصيام .

فإذا كنت قريبا مجيباً دعوة من دعاني ، فليستجيبوا لي بالإيمان بي وتوجيه العبادات إليّ حتى أجيب دعاءهم،لعلهم يهتدون  .

فوائـد الآيـتين: 

ــ   قال ابن عثيمين - رحمه الله- : في التعبير بـ { شهر رمضان } قال أهل العلم: « وهذا أولى»؛ ويجوز التعبير بـ «رمضان» - بإسقاط «شهر»  لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه،ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » صحيح متفق على صحته ، وقوله صلى الله عليه وسلم :  « من قام رمضان وصامه إيمانا واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا ، غفر له ما تقدم من ذنبه » حديث صحيح ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة» متفق على صحته ،  ولا عبرة بقول من كره ذلك.

ــ إن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام، ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام.

ــ      قال بعض أهل العلم : يستفاد منها فائدة أخرى أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام أي عند الإفطار.

ــ    رأفة الله عز وجل، لقوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي } حيث أضافهم إلى نفسه تشريفاً، وتعطفاً عليهم.

ــ   إثبات قرب الله سبحانه وتعالى، والمراد قرب نفسه؛ لأن الضمائر في هذه الآية كلها ترجع إلى الله، وعليه فلا يصح أن يحمل القرب فيها على قرب رحمته، أو ملائكته؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ ، ويقتضي تشتيت الضمائر بدون دليل، ثم قرب الله عز وجل هل هو خاص بمن يعبده ، أو يدعوه، أو هو عام؟ على قولين والراجح : أنه خاص بمن يعبده، أو يدعوه؛ لأنه لم يَرد وصف الله به على وجه مطلق، وليس كالمعية التي تنقسم إلى عامة، وخاصة.

ــ      إثبات سمع الله؛ لقوله تعالى: { أُجِيبُ }؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يُسمعَ ما دعا به.

ــ      إثبات قدرة الله؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة.

ــ      إثبات كرم الله؛ لقوله تعالى: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ }.

ــ   إن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله عز وجل، بحيث يكون مخلصاً مشعراً نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعراً نفسه بكرم الله، وجوده؛ لقوله تعالى:{ إِذَا دَعَانِ }.

ــ   إن الله تعالى يجيب دعوة الداع إذا دعاه، ولا يلزم من ذلك أن يجيب مسألته، لأنه تعالى قد يؤخر إجابة المسألة ليزداد الداعي تضرعاً إلى الله ، وإلحاحاً في الدعاء، فيقوى بذلك إيمانه، ويزداد ثوابه، أو يدخره له يوم القيامة ،أو يدفع عنه من السوء ما هو أعظم فائدة للداعي، وهذا هو السر - والله أعلم - في قوله تعالى: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ }.

ــ    إن الإنابة إلى الله عز وجل، والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله تعالى: { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }.

ــ  إن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما، فمن تعبد لله سبحانه وتعالى وهو ضعيف الإيمان بأن يكون عنده تردد - والعياذ بالله - أو شك فإنه لا ينفعه، أو يكون عنده إنكار، كما يفعل المنافقون فإنهم يتعبدون إلى الله عز وجل ظاهراً لكنهم ليس عندهم إيمان، فلا ينفعهم.

الحديث القدسي الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : قال الله :{ كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لي ، وأنا أجزي به ، والصيام جنة ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ، ولا يصخب فإن سابه أحد ، أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم ، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح ، وإذا لقي ربه فرح بصومه} .

قال القرطبي ـ رحمه الله- في الجامع لأحكام القرآن : فضل الصوم عظيم ، وثوابه جسيم ، جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح وحسان ذكرها الأئمة في مسانيدهم  ، ويكفيك منها في فضل الصوم أن خصه اللّه بالإضافة إليه،كما ثبت في الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه : يقول اللّه تبارك وتعالى : { كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به}الحديث،وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات :

أحدهما : أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات.

الثاني : أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له ، فلذلك صار مختصا به ، وما سواه من العبادات ظاهر ، ربما فعله تصنعا ورياء ، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره، وقيل غير هذا.

وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله- : وقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى :{ الصيام لي وأنا أجزى به } مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزئ بها على أقوال:

أحدها : أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره ، حكاه المازري ونقله عياض عن أبي عبيد، ولفظ أبي عبيد في غريبه :  { قد علمنا أن أعمال البر كلها لله وهو الذي يجزئ بها فنرى ـ والله أعلم ـ أنه إنما خص الصيام ؛ لأنه ليس يظهر من بن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب , وذلك ؛ لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى عن الناس هذا وجه الحديث عندي}.  انتهى

وقد روى الحديث المذكور البيهقي في الشعب من طريق عقيل، وأورده من وجه آخر عن الزهري موصولاً عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده ضعيف ولفظه :{ الصيام لا رياء فيه قال الله عز و جل : هو لي وأنا أجزى به } وهذا لو صح لكان قاطعا للنزاع  ، وقال القرطبي ،  و بن الجوزي جميع العبادات تظهر بفعلها وقل أن يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم ، وارتضى هذا الجواب المازري، وقرره القرطبي بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها اضيفت إليهم بخلاف الصوم فإن حال الممسك شبعاً مثل حال الممسك تقرباً يعني في الصورة الظاهرة قال ابن حجر - رحمه الله - : معنى النفي في قوله لا رياء في الصوم أنه لا يدخله الرياء بفعله ، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية ، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الأخبار بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها.

  وثانيها : أن المراد بقوله { وأنا أجزي به} أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه ، وتضعيف حسناته ، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس , قال القرطبي معناه : أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعفت من عشرة إلى سبع مائة إلى ما شاء الله ، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير .

 ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعني رواية الموطأ ، وكذلك رواية الأعمش عن أبي صالح حيث قال :{ كل عمل بن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله قال الله إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به } أي : أجازي عليه جزاءاً كثيراً من غير تعيين لمقداره وهذا كقوله تعالى : {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر : 10] ، والصابرون هم الصائمون في أكثر الأقوال.

 وفي رواية عند البخاري و مسلم عن أبي هريرة عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال : يقول الله عز وجل يقول الله عز وجل : { الصوم لي وأنا أجزي به ، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي ، والصوم جنة ، وللصائم فرحتان : فرحة حين يفطر ، وفرحة حين يلقى ربه ، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك } .

 وقال ابن حجر - رحمه الله - : وقد يفهم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله صلى الله عليه وسلم:{إنما يذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي فالصيام لي وأنا أجزي به } صحيح، التنبيه على الجهة التي بها يستحق الصائم ذلك ، وهو الإخلاص الخاص به حتى لو كان ترك المذكورات لغرض آخر؛ كالتخمة لا يحصل للصائم الفضل المذكور ،و لكن المدار في هذه الأشياء على الداعي القوي الذي يدور معه الفعل وجوداً وعدماً،ولا شك أن من لم يعرض في خاطره شهوة شيء من الأشياء طول نهاره إلى أن أفطر ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك فجاهد نفسه في تركه،  والمراد بالشهوة في الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب ، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص .

 إضاءة أخيرة : قال ابن عثيمين - رحمه الله - : {الطاعات يجر بعضها بعضاً} ؛ لأن الطاعة إذا ذاق الإنسان طعمها نشط ، وابتغى طاعة أخرى ، ويتغذى قلبه ، وكلما تغذى من هذه الطاعة رغب في طاعة أخرى ، وبالعكس ، والمعاصي توجب وحشة بين العبد وبين الله عزّ وجلّ، ونفوراً، والمعاصي يجر بعضها بعضاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 


تاريخ المادة: 4/9/1430.

تاريخ اليوم

25 / 3 / 1431 هـ

منتديات دعوتها ترحب بكم

المرأة البحرية

منتدى شواطئ التائبين

حوار عن أخلاق الداعية

القائمة البريدية

عداد الزوار

    زوار الموقع : 546,272