ضيفة الحوار/أ.ثناء أبو صالح.
أجرت الحوار/ابتهاج ناصر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين..
أما بعد،،،
الأستاذة/ ثناء محمد أبو صالح، ارتبط اسمها في ذهني بالأدب والقصص، وكنت أتابع نتاجها في بعض المطبوعات الهادفة، ويسّر الله لي أن أحضر لها دورة تدريبية، فغيرتني للأفضل والأحسن - بفضل الله- وشدّني أسلوبها الراقي، فوقع في نفسي أن يكون لي معها نصيب من الاستفادة من خبراتها وتجربتها..
فكان هذا الحوار الشائق، وأدعو الله تعالى أن يحقق هدفه المنشود، وأن يجزي الله خير الجزاء ضيفتنا على ما تفضلت به.
فحياكم الله إلى سطوره الرائعة..
-------------------------------
س1: أستاذتي حياتكِ- سيرتكِ- مليئة بالعطاء والإنجاز، فمن هي ثناء؟ وهلا عرّفت الزائرة الكريمة عن أهم وأعرض الخطوط فيها؟
* يا ابنتي - هداك الله - من قال أنها مليئة بالعطاء والإنجاز ؟!
لا تظني هذا تواضعاً مني, ولكنه حقيقة , فأين نحن- دعوةً وعلماً وعطاءً- ممن سبقنا من دعاة ومصلحين وعاملين ؟؟
قد أكون أفضل من غيري بمنظار أحدٍ ما, وأقول "قد", لكني حين أتأمل سنوات حياتي التي امتدت حتى الستين, أجد أني لم أحقق الكثير مما كنت أتمناه لديني وأسرتي ومجتمعي- ولكن- لعلي أعوض شيئاً مما أرتجيه فيما تبقى لي من عمر, حتى ألقى الله وهو عني راضٍ.
* بم أخبرك عن خطوط حياتي ؟؟
بداية.. نشأتُ ضمن أسرة كبيرة العدد ,من أم واحدة متعها الله بالصحة والعافية, وكنت الوسطى بين البنين والبنات, حلمتُ بدراسة الطب, لكن الظروف المادية جعلتني أختصر طريق الدراسة, وأنهيه بدبلوم تربوي, ومن ثم انتسبت إلى الجامعة - قسم اللغة العربية- وبالتأكيد الفارق كبير ما بين الطب والأدب, ولكن إذا لم يكن ما تريد , فأرد ما يكون , وأحمد الله أني ما ندمت قط على تحول وجهتي العلمية , وإن لم يكن ذلك خياري .
* عملت في التدريس خمسة وثلاثين عاماً, مارستُ خلالها أنواعاً مختلفة من التعليم" تعليم الأسوياء, والمعاقين (الصم والبكم), الصغار والكبار" وخرجت من المشوار بفوائد وتجارب أغنتني عقلياً ونفسياً.
*ترافقتْ مرحلة التدريس مع العمل التطوعي في الجمعيات الخيرية، وهيئة الإغاثة الإسلامية, والندوة العالمية للشباب الإسلامي, والجمعية الثقافية للمرأة المسلمة في سويسرا.
* بدأتُ الكتابة منذ وعيتُ معنى الألم , فأمسكتُ بالقلم أخفف به ضيقي وحزني, وغضبي لما أراه من سلبيات حولي, ثم أدركتُ أنه أداة فعالة في ميدان الدعوة والتوجيه, فوجدتْ كتاباتي طريقها إلى صفحات مجلتيْ المجتمع والنور(الكويت),ورابطة أدباء الشام عبر الانترنت .
* مارستُ العمل الصحفي أولاً في جريدة "المسلمون" كمحررة متعاونة, ثم عملتُ ضمن أسرة تحرير مجلتيْ "الشقائق" و"حياة للفتيات" لفترة من الزمن .
* أعمل حالياً - بعد استقالتي من التدريس- مدربة في مجال " تطوير وتنمية الطاقات البشرية", وهو ميدان أجدُه ممتعاً كالتعليم, لكنه أرحب دعوياً.
س2: بُنياتنا ... غراسهن طيب، وحبهن لخدمة دينهن والدعوة إليه هو همهن ، ولكن يعتريهن الخوف من الولوج فيه وممارسته, كلمة توجيهية منكِ تقوي العزائم والهمم لديهن.
" غراسهن طيب " كلام صحيح ,لكني أظن أن البيت ما زال مقصراً في توجيه وتدريب الفتاة على مواجهة الحياة عامة, وليس في مجال الدعوة خاصة, ولعل هذا هو مبعث التردد وعدم الجرأة لديها.
ولكن.. لو وعت الأنثى أن دورها في الدعوة لا يقل بحال عن دور الذكر- ولعله يكون أهم وأخطر إذا راعينا مسؤولياتها المستقبلية كزوجة وأم - لو وعت ذلك لاندفعت راغبة فيما عند الله من أجر عظيم .
ولها أقول : ماذا تنتظرين يا ابنتي ؟ ماذا تنتظرين حتى تتذوقي حلاوة الدعوة إليه ؟ وأعظم الناس أجراً هم الدعاة إلى الله ؟ قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ ...} (33) سورة فصلت,وقوله صلى الله عليه وسلم : (من دعا إلى هدى ؛ كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ؛ لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا) . حديث صحيح
ألا تتألمين لما ترينه من بُعد الزميلات والقريبات عنه سبحانه ؟؟ وكيف تلقين الله، وقد ملكت تغيير شيء سلبي في صاحبتك مهما كان بسيطاً ولم تفعلي ؟
اجعلي البداية مع من حولك ممن هن في مثل سنك , فأنت أقرب إليهن تفكيراً وعاطفة, وأدرى بما يدور في حياتهن وعقولهن, ويمكنك التأثير بهن مستعينة بالله سبحانه , حتى في تغيير أمر بسيط,كل ما عليك أن تلقي البذرة( كلمةً طيبة, نصيحة أخوية, تنبيهاً عابراً ..) فأنتِ عليكِ هداية الدلالة وأما هداية التوفيق فهي بيد المولى سبحانه وتعالى يتولاه بقدرته, وثقي أنه بقدر رغبتك وإخلاصك في العمل , بقدر ما يُزهر ويُثمر,ويُسعد, وما من سعادة أكبر من أن تلتقي ،ومن تصاحبين، وتحبين على طاعة الله ورضوانه.
س3: كيف تؤهل المرأة المسلمة نفسها للقيام بالدعوة إلى الله في الأوساط النسائية؟
فصَّل كثير من العلماء والدعاة في قضية تأهيل المرأة للدعوة, ومما ذكروه :" أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى مهارات كثيرة ومتنوعة، وإلى تخصصات شرعية في الكليات والجامعات والمعاهد الشرعية المعتمدة" وبالتأكيد فما يقولونه به الجواب الكافي على سؤالك من حيث إعداد وتأهيل المرأة ليكون عملها وجل همها (الدعوة إلى الله) .
ولكن اسمحي لي بوقفة هنا ..هل المفروض ألا تدعو إلى الله إلا من تخصصت في هذا المجال؟وما رأيك بالمرأة البسيطة التي ترى الخطأ فتبادر إلى تصحيحه برفق ومودة ودعاء بالصلاح نابع من القلب,ألا تعتبر مثل هذه داعية ؟؟
ثم كيف انتشر الإسلام في آسيا على أيدي التجار المسلمين؟ هل كانوا جميعا فقهاء و علماء؟ أم أن سلوكهم الفعلي وتعاملهم النابع من تعاليم الإسلام كان السبب في هداية الناس، وانتشار هذا الدين المبارك؟؟
هذا بالتحديد ما نريده من المرأة والفتاة المسلمة , أن يكون قولها وفعلها وتعاملها مع الأخريات, مطابقاً لما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة ,وعندها ستكون داعية وتنال الأجر, حتى دون أن تقصد .
وأعتقد أن حصر مجال الدعوة فيمن تلقت العلم الشرعي فقط, يجعل الكثيرات يحجمن عن تصحيح أبسط الأخطاء التي يرينها - لا تستغربي - فكثيراً ما كُنت أحث طالباتي على الدعوة إلى الله, فكان الجواب يأتيني : لكني لا أملك من العلم شيئاً يؤهلني لأكون داعية ؟وكان هذا الرد ممن تملك الرغبة فعلاً في الدعوة ,وكنت أجيب عليهن بأن من ترغب في الدعوة حقاً, لا تُحْجِم بحجة أن تأهيلها لم يكتمل، أو أن ما لديها من العلم قليل؛ بل تنقل وتبلغ ما سمعته ووعته، فرب مبلّغ أوعى من سامع، وإلا كيف لها أن تمارس وتعتاد بذل النصح؟ وكيف تمتلك الشجاعة والجرأة التي تمكنها من تقديم ما وصلها للناس ؟ طبعاً بشرط أن تجيد فهم المسألة التي تدعو إليها,إضافة إلى أنه من بركة الانصياع لقوله عليه الصلاة والسلام :"بلغوا عني ولو آية" صحيح البخاري , أنها تدفعك يا ابنتي بمجرد تبليغها, إلى البحث عن غيرها وغيرها, فيفتح الله عليك بالكثير, وتنالين لذة العمل لهذا الدين .
س4: نحتاج هذه الأيام للداعية المؤثرة، حدثينا- فضلاً- عن صفاتها.
أول وأهم صفة الإخلاص وطلب رضى الله عز وجل من عملها,ثم التزامها بأقوالها وأحوالها قبل أن تلزم بها الآخرين, والتبصير بالخطأ بلطف ومودة, فتبتعد عن الصرامة أو الجدال, وتحسن اختيار الوقت المناسب للنصح, وتكون لديها القدرة على احتواء الآخرين, والمرونة, والصبر على ما قد تلقاه من جفاء وحدة طبع, فتبادر بسعة الصدر والتبسم وشيء من الدعابة الخفيفة, لترتاح لها النفوس وتفتح لها القلوب .
احرص على حفظ القلوب من الأذى**فرجوعها بعد التنافر يصعب
إن القلوب إذا تنافر ودها ** مثل الزجاجة كسرها لا يشعب
ويُفترض أن تعي الداعية أن الإصلاح الحقيقي ينبع من الداخل , ولا يُفرض من الخارج، ولذا تجعل هدفها التركيز على ملامسة القلوب وترسيخ العقيدة الصحيحة في العقول, باستخدام الحوار الهادئ والكلام الطيب والابتعاد عن الحدة .
س5: لكل نشاط جبّار وعظيم، معوقات وعقبات، فما هي المعوقات والعقبات التي تواجه داعية اليوم، وكيف لها التغلب عليها؟
1- أكبر عقبة تواجهها المرأة الداعية هو منع الزوج لها من ممارسة الدعوة, أو عدم تشجيعها ومساندتها, وغالباً لا تملك المرأة حيلة أمام هذا الأمر, خاصة إذا كان الزوج بعيداً عن ميدان الدعوة والالتزام, ومثل هذه نطمئنها بأن الميدان واسع ووسائله متعددة, كأن تمارس الدعوة بين القريبات في اللقاءات الاجتماعية, أو تستخدم الكتابة إن كانت ممن يملك القلم الجيد.
2- صعوبة التوفيق بين مهامها الدعوية ومسؤولياتها الأسرية والعملية (الوظيفة),ومن الطبيعي أن تأتي الأسرة في المقام الأول, من حيث ترتيب الأولويات, لكنها بالتخطيط وحسن استغلال الوقت تتمكن من التوفيق بين المهام بفضل الله.
3- ومما يجعلها تحجم عن الدعوة خوفها من الوعيد,فكثيراً ما يتردد أن مجرد نقل الفتوى في أمر ما وإن كانت واثقة من مصدره لا يجوز, بدعوىً "أن أجرأكم على الفتيا أجرؤكم على النار",وهذا القول ليس بحديث -كما ورد في فتوى الشيخ صالح الفوزان-وقال رداً على السؤال:ما صحة الحديث الذي يقول: "أجرؤكم على الفُتيا أجرؤكم على النار" رواه الدارمي في سننه؟
الإجابة : "هذا القول لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو قول كثير من السلف، حيث روي عن الصحابة رضوان الله عليهم أن الجرأة على الفتيا دلالة على عدم العلم وقلة الورع.
أما بالنسبة إلى الفتوى في المجالس العامة فلا يجوز لطالب العلم أن يخوض في المسائل الدقيقة عند العامة، وإنما يحدثهم بما تتحمله عقولهم، وتقبله أذهانهم حتى لا يدفعهم بمقالاته إلى أمور لا يصح عملها". انتهى كلام الشيخ صالح الفوزان
وقد ضعف الحديث أيضاً الشيخ الألباني في " .السلسلة الضعيفة (1814)
وأشير هنا ثانية إلى أن ناقل الفتوى ليس بمفتٍ, وأن كل من يملك دفع منكر عليه أن يفعل, ولا يشترط فيه أن يكون عالماً فقيهاً متعمقاً بدراسة علوم الشريعة,ولعل هذا أكبر سبب يعلل امتناع فتياتنا عن ولوج باب الدعوة.
و" لا حرج في نقل فتاوى أهل العلم الموثوق بهم، ونشرها بين الناس، إذا كان الناقل متأكداً من صحة نسبتها إليهم، وكان نقله لها لا يغير مضمونها، ولا يخل بشيء من ضوابطها,ولا يدخل هذا في الفتوى بغير علم ". الشبكة الإسلامية
"وأما نقل الفتوى إليك فيكفي التوثق من صحتها و نسبتها إلى صاحبها، ويصح ذلك بنقل عدل الرواية وهو المسلم المكلف السالم من الفسق وخوارم المروءة سواء كان ذكرا أو أنثى".إسلام ويب- مركز الفتوى
س6: ما أجمل صفة تتحلى بها الداعية، ويجب عليها التشبث بها؟
كأنه تكرار للسؤال الرابع.. ولكن إن أصررت أعيد , البسمة الصادقة، والكلمة الطيبة النابعة من القلب, فهما أريج ينشر عبقه أينما حل المرء ويجذب إليه القلوب, فتصغي وتنصت وتسعد .
س7: يصيب الداعيات أحياناً حالات من الإحباط والألم , وذلك لعدم استجابة المدعوات لها، فكيف يعالج هذا الأمر؟
متى يحدث هذا حقيقة ؟ عندما تنسى الداعية أن مهمتها تقتصر على إلقاء البذرة فقط, و الله سبحانه هو يتولاها برعايته, فالرسول الداعية صلى الله عليه وسلم يقول) : إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل(. رواه الإمام أحمد
وفي هذا الحديث أكبر درس للدعاة في بذل الأسباب الدنيوية ,مع حسن التوكل على الله ،وعدم استعجال النتائج, وبالتالي لن تيأس من وعت ذلك تماماً, وإن كان هدفها حقاً رضى الله سبحانه, فسرعان ما تنبذ اليأس وتواصل الطريق .
س8: غالباً ما تتعرض الداعية للنقد؛ فكيف توطن نفسها على قبوله وعدم الخوف منه ,حتى وإن كان جارحاً ومؤلماً؟
ألم يسبق القول أن الهدف الأول لها رضى الله ؟؟ فكيف تخشى الألسن وهو عنها راضٍ ؟ وكيف تنسى ما عاناه الرسول القدوة صلوات ربي وسلامه عليه في دعوته ؟
وهذا لا يمنع أن تتفحص فيما يقال لها وعنها, فتخلو إلى نفسها كل حين, تتأمل سيرها ونهجها, بعين تعتمد القرآن والسنة ميزاناً لها, فتقوّم ما اعوج ، وتسأل الله السلامة, وتحمده على ما استقام، وتسأله المزيد من العون والتوفيق, ومن ثم تمضي في طريقها غير مبالية ولا عابئة, فقديماً كان في الناس الحسد .
س9: ختاماً..مساحة خالية .. نقية...سطري فيها ما تشائين، ولمن تحبين.
أتدرين ؟؟ أحلى ما في اللقاء هذه المساحة الخالية حيث لا قيود ولا حدود.
لكم أشتاق أن أحلق في فضاء الكلمات , بلا هم ولا وجع , ولكن أنى لي ذلك ؟ وغزة مكلومة والعراق جريح ؟؟
سأرجع والحسرة بين أضلعي إلى واقعي الحزين, وأحاول جاهدة تغيير شيء فيه, ولعل حروفي تسعفني في ذلك.
ولدي عدة رسائل:
أكتب الرسالة الأولى للأم : مجتمعنا اليوم بحاجة إليك أكثر من الأمس بكثير,بحاجة إلى وعيك بدورك في الحياة, وإلى عطائك اللامحدود, وإلى إيثارك بيتك وأولادك على الحياة الفارغة والبهرجة الكاذبة, فأين أنت ؟ وأين بصمتك المميزة على صغيرك ابن الإسلام ؟
ورسالة ثانية أكتبها للزوج : رفقاً بالقوارير, وخيركم خيركم لأهله, هكذا علمنا المصطفى عليه السلام,فأين تصرفاتك من تعاليمه ؟؟
وتبقى حروف أصوغها لكل من بناتي وقارئاتي اللواتي أحبهن في الله:
تذكري أنك على ثغر من ثغور الإسلام فلا يؤتين من قبلك, هيئي نفسك وأعديها لمقاومة الدعوات المشبوهة والتغريب بكل صوره, طالعي,اقرئي, فكري, انقدي,ابحثي, ثم جربي أن تكتبي, فالكتابة وسيلة دعوية فعالة, واصبري ولا تيأسي, ولا تنسي أن المجتمع كله بانتظارك.
فإن لم يكن أنت.. فمن ؟؟ وإن لم يكن الآن .. فمتى؟؟
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
____________________