حوار الأفكار   
الداعية وفقه إنكار المنكر .... مع د. طارق الحواس (1)
عدد التعليقات : 0
الكاتب:

 

 

 

ضيف الحوار الدكتور /  طارق بن عبد الرحمن الحواس .

أجرت الحوار/ المتعاونة : إيمان المبارك
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهمة التي ابتعث الله بها النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه , وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة ،واضمحلت الديانة، وشاعت الجهالة ،وخربت البلاد وهلك العباد ,ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان الذي خشينا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون  .

لماذا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ؟ ومن هو الذي يأمر وينهى ؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها دكتورنا الفاضل الشيخ / طارق الحواس ,ونبدأ الآن بالإبحار في للآلئ علمه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
س1/ لا يخفى على العامة من هو الشيخ د.طارق الحواس ولكن نريد أن نغوص في شخصيتكم أكثر ونُعرّف القراء بالمزيد؟
 بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه وبعد:
فأشكر لكم كريم ضيافتكم وحسن ظنكم ولإتاحة الفرصة لأخ من إخوانكم ..

طارق بن عبد الرحمن الحواس رجل (بسيط جدا كما في قول العامة ) ، أعيش حياة سهلة يسيرة لا أدعي الإبداع ولا التميز ، أستاذ جامعي أعمل في كلية الشريعة التابعة لجامعة الإمام فرع الأحساء ،وإمام وخطيب مساعد في جامع المعلمين الشرقية متزوج ولدي 5 من الأبناء بنتان و3 ذكور .

لدي دروس في ثلاثة أيام من كل أسبوع في العقيدة والتفسير والفقه ، ولي محاضرات في كل أسبوع في مناطق مختلفة من المملكة ودول الخليج ، كما لي مشاركات في مؤتمرات عدة وأقمت دورات شرعية متعددة داخل المملكة وخارجها ، والله أسأل القبول والإخلاص .


س2/ اختلف العامة في فهم المعنى الصحيح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما هو المعنى الصحيح لذلك؟
 المعروف هو كل ما أمر الله ورسوله به ، ومدح فاعله في الشرع الحكيم ، والعقل السليم والعرف الصحيح ، ويدخل في ذلك جميع الطاعات والأفعال والأقوال الحسنة ، والمنكر هو كل ما نهى الله ورسوله عنه وذمَ فاعله في الشرع الحكيم والعقل والعرف المستقيم ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع والأفعال والأقوال المذمومة ـ هذا أصح تعريف في نظري للمعروف والمنكرـ .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " إذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو المعروف ، والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر، ويقول: وتحريم الخبائث مما يندرج في معنى النهي عن المنكر ، كما أن إحلال الطيبات يندرج في الأمر بالمعروف ؛لأن تحريم الطيبات مما نهى الله عنه " أ هـ .

س3/ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له أهمية  يا حبذا لو عرفنا بعض منها ؟
 لا شك أن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهمية بالغة جدا ومنزلة عظمى في دين الإسلام، فهو الجهاد الدائم المفروض على المسلم ، وهو أصل مهم من أصول قيام حضارة الإسلام لا قيام لشريعة الإسلام بدونه " وهو القطب الأعظم في الدين ، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمت الفترة ،وفشت الضلالة ، وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد، وهلك العباد ، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد .

ويمكن أن أستعرض تلك الأهمية والفضل لهذه الشعيرة في الحقائق التالية:
1- إن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحقيق وصف الخيرية للأمة ، كما قال الله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران 110) ، وذلك ؛لأن صلاح المعاش والمعاد إنما يكون بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبه صارت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ، وما تمت هذه الخيرية إلا بعد تحقيق الصفات المذكورة في الآية، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله ، فمن اتصف بهذه الصفات من هذه الأمة دخل في هذا المدح ، كما قال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه في حجة حجها فرأى من الناس منكرا فقرأ { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }ثم قال : { من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها } .

2- إن قيام الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقام خلافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن من عمله في الأمة ما قاله تعالى: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  } . ﴿آل عمران157 ﴾

3- إن في القيام بهذه الشعيرة دفع العقاب العام من الله تعالى ، ومنع حالات الفساد الجماعي ؛ ذلك أن فشو المنكرات وظهور الفساد يستحق العقاب من وجهين :

الأول : أن ارتكاب تلك المنكرات موجب للعقاب .

الثاني : إن السكوت عن هذه المنكرات من غير أصحابها موجب آخر للعقاب ؛ لذا قال الله تعالى محذرا هذه الأمة أن تسكت عن المنكر : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً }, وذلك حتى لا يقع لهم مثل ما وقع لمن قبلهم ، الذين حكى الله تعالى حالهم في قوله :{ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }، وقوله تعالى:{ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}(المائدة ،78 ،79) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون أن يغيروا ولا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله بعقاب » .حديث صحيح

4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنصر والتمكين قال تعالى: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } .(الحج 40،41)

5- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة عظيمة، وهي صدقة يؤجر المرء على قيامه بها ، ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر - رضي الله عنه - « أن أناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، قالوا للنبي : يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور بالأجور ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون بفضول أموالهم ، قال : أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به ؟ أن بكل تسبيحة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة »  .

6- ومما يدل على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب تكفير الذنوب ،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصدقة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ». خرجه مسلم في صحيحه

7- ومما يدل على أهمية هذا الموضوع أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وأنها ترجح خير الخيرين ، وتدفع شر الشرين ، وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، وتدفع أعظم المفسدين باحتمال أدناهما .

 وقد أمر الله تعالى عباده بأن يبذلوا غاية وسعهم في التزام الأصلح فالأصلح ، واجتناب الأفسد فالأفسد ، وهذا هو الأساس الأكبر في التشريع الإسلامي : فإن مدار الشريعة على قوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  }﴿ سورة المنافقون16﴾ ، المفسر لقوله تعالى : { اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } (آل عمران 102) , وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» متفق عليه ،  فمقصد الولايات الشرعية من خلافة ،وقضاء ، وحسبة وغيرها أن يكون الدين كله لله ، وأن تكون كلمة الله هي العليا ، فولاية الحسبة إنما جعلت لإصلاح دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانا مبينًا ، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا ، ولإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دينهم .

والشريعة إنما جاءت بأحكام تحفظ على الناس الكليات الخمس أو المصالح العليا الخمس وهى : الدين والنفس والعقل والنسل والمال ، فكل الأحكام الشرعية في هذا الخصوص إنما هي أوامر ونواهٍ للحفاظ على هذه الكليات ، والحسبة إنما تسعى للتحقق من تطبيق هذه الأوامر والالتزام بالنواهي .

س4/ يقول صلى الله عليه وسلم :( والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر,أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده ,ثم لتدعنه ولا يستجاب لكم) فما العذاب المترتب على من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

 جاء في بعض النصوص ذكر الهلاك و الفتنة والعذاب والعقاب وهذه ألفاظ عامة تشمل أنواعا مختلفة من العقوبات ومنها:
- جور السلطان .
- تسلط الأعداء على الأمة .
- محق البركة .
- زلازل أو براكين أو فيضانات أو أعاصير .
- اللعن والطرد من رحمة الله .
- عدم إجابة الدعاء .
- كثرة الخبث .
- الاختلاف والتناحر .
-  الأزمات الاقتصادية .

فعلى الأمة أن تتق الله وتتجنب غضب الله سبحانه ؛لأنه إذا غضب لا يبال في أي واد هلك الناس.

س5/ هناك ثلاث مراتب لتغيير المنكر كما أشار إلى ذلك حديث أبي سعيد الخدري :(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده.....) الحديث فهل لك أن تبين لنا هذه المراتب والأجر المترتب على كل مرتبة ؟ وهل هناك ضرر من تقديم مرتبة على أخرى.

من القواعد العامة التي تحكم القيام بواجب النهي عن المنكر معرفة مراتب إنكار المنكر وضوابطها :
وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون بقدر الاستطاعة ، فإن استطاع المسلم تغيير المنكر باليد كان ذلك هو الواجب في حقه ، فإن كان عاجزا عن التغيير باليد ، وكان بمقدوره النهي باللسان كان ذلك هو الواجب عليه ، وإن كان عاجزا عن التغيير باللسان وجب عليه الإنكار بالقلب وكراهية المنكر ، وهذا في مقدور كل إنسان .

والأصل في ذلك الحديث المذكور في السؤال حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه- مرفوعا  من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان .

وجاء حديث آخر في الصحيح أيضا يؤكد هذا المعنى وهو عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل}.

 ذلك كالتالي:
المرتبة الأولى : الإنكار باليد وشروطه :
وهي أقوى مراتب الإنكار وأعلاها ، وذلك كإراقة الخمر ، وكسر الأصنام المعبودة من دون الله ، ومنع من أراد الشر بالناس وظلمهم من تنفيذ مراده ، وكإلزام الناس بالصلاة ، وبحكم الله الواجب اتباعه ونحو ذلك ، وذلك لمن كان له ولاية على مرتكب المنكر كالسلطان أو من ينيبه عنه كوالي الحسبة ،وموظفيه كل بحسب اختصاصه، وكذا المسلم مع أهله وولده ، يلزمهم بأمر الله ، ويمنعهم مما حرم الله ، باليد إذا لم ينفع فيهم الكلام يقوم بهذا حسب الوسع والطاقة .

المرتبة الثانية : الإنكار باللسان وضوابطه : وذلك حينما لا يستطيع من رأى المنكر تغييره بيده لعدم سلطته على مرتكبه ، أو لما يترتب عليه من المفسدة المساوية أو الراجحة ، فإنه ينتقل إلى التغيير باللسان ، وذلك بتعريف الناس بالحكم الشرعي بأن هذا محرم ومنهي عنه ، فقد يرتكب المنكر لجهله به ، فيمكن تغيير المنكر عن طريق الوعظ ، والنصح ، والإرشاد ، والترغيب ، والترهيب ، والتقريع ، والتعنيف ونحو ذلك من البيان .

وهذه المرتبة يلتقي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالدعوة إلى الله ، فكلاهما بيان للحق وترغيب فيه ، وتنبيه على الباطل ، وتحذير منه ، وتخويف وترهيب عنه ، بما يناسب حال المخاطب ويقتضيه المقام ولتغيير المنكر باللسان أربع خطوات :
الخطوة الأولى : التعريف باللين واللطف : وذلك بأن يعرف مرتكب المنكر - إما بالإشارة أو التعريض حسب الموقف - بأن هذا العمل لا ينبغي أو حرام ، وأنت لستَ ممن يفعل ذلك بالقصد، فأنت أرفع من ذلك ، فإن الجاهل يقدم على الشئ لا يظنه منكرا ، فإذا عرف أنه منكر تركه وأقلع عنه ، فيجب تعريفه باللطف والحكمة والرفق واللين ، حتى يقبل ولا ينفر ،ويقال له مثلا: إن الإنسان لا يولد عالما ولقد كنا جاهلين بأمور الشرع حتى علمنا العلماء ،وهكذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء  ، فعن عائشة -رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { إن الله يحب الرفق في الأمر كله}. صحيح البخاري

الخطوة الثانية : النهي بالوعظ والنصح والتخويف من الله تعالى : وهذه الخطوة تتعلق غالبا في مرتكب المنكر العارف بحكمه في الشرع بخلاف الخطوة الأولى ، فهي في الغالب تستعمل للجاهل في الحكم .

الخطوة الثالثة : الغلظة بالقول : وهذه الخطوة يلجأ إليها المُنكر بعد عدم جدوى أسلوب اللطف واللين ، فحينئذ يغلظ له القول ، ويزجره مع مراعاة قواعد الشرع في ذلك ،وعليه ألا ينطق إلا بالصدق ، ولا يطيل لسانه بما لا يحتاج إليه؛بل على قدر الحاجة ،وقد استعمل أبو الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - هذا الأسلوب ، قال تعالى حكاية عنه : { أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }. ﴿الأنبياء 67﴾

الخطوة الرابعة : التهديد والتخويف : وهذه الخطوة هي آخر المحاولات في النهي باللسان ، ويعقبها بعد ذلك إيقاع الفعل كأن يقال لمرتكب المنكر :( إن لم تنته عن هذا الفعل لأفعلنَّ بك كذا وكذا ، أو لأخبرن بك السُلطات لتسجنك وتعاقبك على فعلك ) ، كن ينبغي أن يكون هذا التهديد والتخويف في حدود المعقول عقلاً وشرعا حتى يعرف أن المنكر صادق في تهديده ، لأنه لو هدده بأمور غير جائزة شرعا وغير معقولة عرف أنه غير جاد في كلامه .

المرتبة الثالثة : الإنكار بالقلب : إذا عجز المؤمن عن الإنكار باليد واللسان ، انتهى إلى الإنكار بالقلب فيكره المنكر بقلـبه ، ويبغضـه ، ويبغض أهله - يعلم الله ذلك منه - إذا عجز عن تغييره بيده ولسانه - وهذا الواجب لا يسقط عن المؤمن بوجه من الوجوه ، إذ لا عذر يمنعه ولا شئ يحول بينه وبينه ، وليس هناك شيء من التغيير ما هو أقل منه ، كما جاء في حديث أبي سعيد المتقدم  وذلك أضعف الإيمان   يعني أقل ما يمكن به تغيير المنكر ،وكذلك الحديث الآخر عن ابن مسعود رضي الله عنه  وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل أي لم يبق بعد هذا من الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن ويثاب عليه ، بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان ، قيل لابن مسعود - رضي الله عنه - :{ من ميت الأحياء ؟ فقال : الذي لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا } .

وهذا هو المفتون الموصوف في حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - بأنه لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أُشرب من هواه  ، وهنا أود أن أشير إلى أن المرأة لها أن تنكر على من تستطيع الإنكار عليه من النساء ، ومن أقاربها من الرجال ، فقد ورد عن عائشة - رضي الله عنها - أنها رأت امرأة بين الصفا والمروة عليها خميصة من صُلُب - أي ثوب عليه خطوط متصالبة - فقالت عائشة - :{ انزعي هذا من ثوبك فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رآه في ثوب قضبه }  .
وأوصت النساء بقولها :  {مُرْن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء ، فإني استحييهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله} .

كما ورد عنها - رضي الله عنها - أنها رأت أخاها عبد الرحمن يسرع في الوضوء ليدرك صلاة الجنازة على سعد بن أبي وقاص ، فقالت : يا عبد الرحمن أسبغ الوضوء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :  ويل للأعقاب من النار .
 
قال ابن رجب - رحمه الله - عند شرحه لحديث أبي سعيد  من رأى منكم منكرا  بعد أن ساق عدة أحاديث ( فدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه ، وأما إنكاره بالقلب لا بد منه ، فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه ) .

وإذا لم يستطع الآمر بالمعروف والنـاهي عن المنكر ، تغيير المنكر بيده ، ولا بلسانه ، فإنه يجب عليه حينئذ إنكاره بقلبه - كما سبق بيانه - وعليه أن يهجر المنكر وأهله ، فإن عجزه عن الإنكار ليس عذرا يبيح له مشاهدة ذلك المنكر أو مجالسة أهله ،قال تعالى :{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ }.
وقال سبحانه :  {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ}  .
وبهذا يتبين لنا أن الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الداعي إلى الله على علم وبصيرة ، لا بد له من معرفة مراتب إنكار المنكر وضوابطها وخطواتها ، والالتزام بالعمل بها ، حتى ينجح في دعوته ، وتؤتي ثمارها الطيبة .

وأجره عظيم على كل مرتبة قادر عليها والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يصف فاعل ذلك بالإيمان ،ولا شك أن هناك مفاسد عظيمة قد تترتب على تقديم مرتبة على أخرى لأن الشرع رتبها كذلك فدل على أنها الأصلح والأقوام للناس .  

لتتمة الحوار

 

http://www.wdawah.com/dialogue_content.php?d_id=74&temp=dialogue


تاريخ المادة: 19/11/1429.

تاريخ اليوم

18 / 3 / 1433 هـ

بيع المستلزمات النسائية

مشاهدة النتائج