|
الحمد لله وحده، وصلِّ اللهم وسلم على من لا نبي بعده، أما بعد:
فإني أسأل من جلَّتْ قُدرته ، وتتابع إحسانه وإنعامه ، أن يكتب السعادة والطُمأنينة والراحة النفسية في أسرتكم المباركة ، وأن يؤلف بين قلوبكم على الخير ، اللهم آمين .
أولاً : إني أرى فيك فتاة عاقلة ، تستبين الخطأ من الصواب ، وترتجي ما عند الله والدار الآخرة ، هل تأمَّلتِ – أختي الكريمة – قول الله تعالى : (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) الإسراء : 53 ، ويقول تعالى : ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) . سورة فصلت : 35
قال الطبري رحمه الله في تعليقه على الآية : " ولمن صبر على إساءة من أساء إليه، وغفر للمسيء إليه جرمه، فلم ينتصر منه، وهو على الانتصار منه قادر ابتغاء وجه الله عز وجل وثوابه، إن ذلك لمن عزم الأمور، ندب الله إليها عباده، وعزم عليهم العمل به ".
وقال القرطبي رحمه الله : " وما يلقاها " يعني هذه الفعلة الكريمة والخصلة الشريفة " إلا الذين صبروا " بكظم الغيظ , واحتمال الأذى.
" وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم " أي نصيب وافر من الخير، قاله ابن عباس, وقال قتادة ,ومجاهد: الحظ العظيم الجنة.
أرأيتِ ! إنَّ احتمال ما قد تجدينه ممن حولكِ له ثمن ، إنه النصيب الوافر من الخير أو الجنة ، وهل مثلك يستغني عن هذا وذاك .
قيل إن الأحنف سبَّه رجل, وهو يماشيه في الطريق، فلما قرب من المنزل وقف الأحنف, وقال له: يا هذا إن كان قد بقي معك شيء فهات وقله ههنا ! فإني أخاف أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك، ونحن لا نحب الانتصار لأنفسنا .
ثانياً :
|
أخاك أخاك إن من لا أخاً له **** كساع إلى الهيجا بغير سلاح
|
لا شك أن ما تجدينه من أخوتكِ تضيق به النفس ، لكننا يجب أن ننظر إلى الأصل في هذه العلاقة، فإن للأخوة منزلة عظيمة لا يمكن أن تقطعها أو تُنغِّص عليها بعض التصرفات أو السلوكيات ، هي سحابة صيف ، ثم تعود العلاقة كأجمل ما يكون بحول الله ، ارفعي من ذهنك مسألة الكراهية ، هذه المفردة ليس لها مكان في قاموس العلاقات الأسرية ، اعملي على ألا تتطور المواقف بينكما سلباً ، أرسلي لها رسائل إيجابية ، أشعريها بمحبتك وتقديرك ، انظري في طريقة تعاملك معها ، فقد تكون أفعالها لسبب ما ، أو لسوء فهم لديها ، ثم احملي تصرفاتها على المحمل الحسن ، فإن لم تجدي لها محملاً حسناً ، فقولي لعلي لا أعلم سبباً له ، فإن تيقَّنتِ من سببه فدعيه لله ، فإن حبيبك صلى الله عليه وسلم يقول :( إنك لن تدع شيئا لله عز و جل إلا بدلك الله به ما هو خير لك منه ). صححه الشيخ الألباني
ثالثاً : حاولي أن تجلسي إليها ، تستمعي إلى وجهة نظرها ، تزيلي ما علق بينكما من مواقف ، بابتسامتك الصادقة ، و مفرداتك الساحرة ، وصفاء قلبك الناصع ، وهديتك المعبِّرة ، ولا مانع من الاستعانة بمن تثقين في حكمته ، وتجدينه قريباً منها ومنك . قَدِّمي خطوات مُلَطِّفة استباقية لهذا اللقاء ، واحتسبي نتائجه وثماره .
وابتعدي عن البرمجة الخاطئة فيما يدور بينكِ وبين أخواتكِ ، فإن خبراء التنمية البشرية يقولون:" ينبغي أن نقبل الناس كما هم ، لا كما نريد " ، وأن:" قوانين العقل الباطن ونشاطاته يمكن أن تتسع وتنتشر ، فإذا كانت أفكارنا سلبية سيطر الإحباط علينا ، وإذا كانت أفكارنا إيجابية فاننا نجدها حولنا كيفما ذهبنا " .
رابعاً : يقول حبيبك صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا ،
بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ).رواه مسلم
أوصيكِ بركعتين في جوف الليل ، بخشوع وإنابة ، ودعاء وتضرع ، اشتكي إليه سبحانه ما تجدينه ، سليه فهو مفرِّج الكربات ، وقاضي الحاجات ، ألحي عليه بالدعاء ، استثمري أوقات الإجابة ، ( إن ربكم حيي كريم يستحي أن يبسط العبد يديه إليه فيردهما صفرا ) صحيح الجامع/2070، وبإذن الله ستجدين ما تقر به عينك .
أعانك الله ، وفتح لكِ أبواب فضله ، ووفقك لخيري الدنيا والآخرة ، وألف بين قلبكِ وقلب أخواتكِ على الخير ، والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
------------------------------
|